يدٌ صغيرة على طاولة عائلية دافئة، بينما بقية الأيدي مشغولة في الخلفية، مهنّد مزيّك، أكاديمية نحّات الحياة

لماذا أشعر أن لا أحد يراني؟

August 11, 20265 min read

في بيتٍ دافئ، أطعموك ودفعوا عنك وسألوا عن دراستك كل يوم. وفي المساء، وأنت مستلقٍ في غرفتك، كان يمرّ عليك شعورٌ لا تعرف اسمه: أنك وحدك في بيتٍ مليء.

ثم تكبر، فتخجل من الشعور نفسه. تقول لنفسك: أنا ناكرٌ للجميل، ما ينقصني شيء، غيري عاش أسوأ بكثير.

وتغلق الموضوع، ويبقى الشعور.

ما الفرق بين أن تُحَبّ وأن تُرى؟

أن تُحَبّ يعني أن يهتمّ بك أحد: يوفّر لك ما تحتاجه، ويسأل عن صحتك، ويفرح بنجاحك. وأن تُرى شيءٌ آخر تماماً: أن ينتبه أحدٌ إلى حالتك الداخلية لا إلى أدائك الخارجي. والإنسان قد يُحَبّ كثيراً ولا يُرى أبداً، وهذا بالضبط ما يفسّر الشعور بالوحدة داخل عائلةٍ دافئة.

الفرق بينهما دقيق، ولذلك يمرّ على أغلبنا بلا انتباه.

أن تُرى يعني أن ينتبه أحدهم إلى أنك اليوم صامتٌ أكثر من العادة. أن يسألك عمّا شعرت به لا عمّا فعلته. أن يعرف الفرق بين ضحكتك حين تضحك وضحكتك حين تجامل. أن يلاحظ أنك وافقت على شيءٍ وأنت لا تريده.

هذا ليس اهتماماً، هذا انتباه. والاثنان لا يأتيان معاً بالضرورة.

وأنا أرى هذا في كل أسبوع تقريباً: شخصٌ يجلس أمامي ويقول إنه لا يشتكي من شيء، وإن أهله أعطوه كل ما يحتاج، ثم يبكي حين أسأله متى آخر مرة سأله أحدٌ عمّا يشعر به.

ماذا تكشف تجربة الوجه الجامد عن هذا الشعور؟

سنة 1978، نشر إدوارد ترونيك وزملاؤه تجربةً صارت من أشهر ما في علم نفس الطفل، اسمها تجربة الوجه الجامد.

الفكرة بسيطة إلى حدّ الصدمة. يجلسون أمّاً أمام رضيعها ويتركونهما يلعبان دقيقتين: ضحك، وأصوات، وتبادل نظرات. ثم يطلبون منها شيئاً واحداً: أن تبقى ناظرةً إليه بوجهٍ بلا أيّ تعبير.

هي لم تخرج من الغرفة. لم تصرخ. لم تؤذه. هي أمامه تماماً، وعيناها عليه.

والرضيع يمرّ بأربع مراحل في أقلّ من دقيقتين: يبتسم أكثر، ثم يرفع صوته ويمدّ يديه ويحاول بكل ما لديه، ثم يرتبك، ثم يشيح بوجهه ويتوقّف عن المحاولة.

طفلٌ عمره ثلاثة أشهر، ودقيقتان.

ووصف الباحثون تلك اللحظة بوصفٍ أراه من أدقّ ما قيل في هذا المجال: الأمّ في تلك اللحظة تقول له أهلاً ووداعاً في الوقت نفسه.

الوجه موجود، والعين ليست هناك.

وهنا يظهر الفرق الذي يغيّر فهمك لطفولتك كلها: هناك عينٌ تراقبك، وعينٌ تراك. المراقِبة تنتبه حين تُخطئ، والرائية تنتبه حين تصمت. المراقِبة تتفقّدك، والرائية تفرح بك.

والطفل الذي رُوقب ولم يُرَ لا يكبر وهو يشعر أنه رُئي. يكبر وهو يشعر أنه فُحص.

لماذا يصرخ بعضنا كي يُرى ويختفي بعضنا كي يبقى؟

لاحظ المراحل الأربع مرةً ثانية: محاولة، ثم محاولة أقوى، ثم ارتباك، ثم انسحاب.

كلّنا مررنا بها. والفرق بيننا أننا توقّفنا عند مراحل مختلفة.

هناك من توقّف عند مرحلة المحاولة، فصار يصرخ كي يُرى. لا بالصوت، بل بالإنجاز. ينجز حتى يُلاحَظ، ويتنازل حتى يُقبَل، ويعطي حتى يبقى موجوداً. وحين يتوقّف عن العطاء يشعر أنه اختفى، فيعود ليعطي أكثر.

وهناك من توقّف عند مرحلة الانسحاب، فصار يختفي كي يبقى بأمان. يجلس في آخر الطاولة، ويرفض ما يضعه في الضوء، ويتعلّم أن الظهور مكلف والاختباء أرخص.

وفي البيت الواحد تجد الاثنين: أختٌ تحمل العائلة كلها، وأختٌ اختفت من الصورة. والجميع يقول إنهما شخصيتان مختلفتان، وهما جرحٌ واحد بحلّين.

وأنا سنوات كنت من النوع الأوّل ولم أعرف. كنت أسمّيه كرماً، وكان جوعاً.

والأدقّ من هذا: الشخص الواحد قد يفعل الاثنين، لكن مع أشخاصٍ مختلفين. يصرخ في مكانٍ ويختفي في مكان. وهذا ليس تناقضاً، هذا خريطة.

هل يعني هذا أن أمّي قصّرت؟

هذا أهمّ سؤالٍ في المقال كله، وجوابي عنه واضح: لا.

ولن أسأل معك السؤال الذي يسأله الجميع، وهو: هل كانت أمّي جيدة أم لا. هذا سؤالٌ ضعيف ولا يوصل إلى شيء، لأنه يضعك في محكمة، فتخرج منها إمّا بغضبٍ أو بذنب، وكلاهما يُبقيك في مكانك.

السؤال الأدقّ: ماذا كان في تلك العين وقت ما وصلتَ أنت؟

لأن العين قد تكون موجودة تماماً، ومشغولة تماماً. وما الذي يشغلها؟ اكتئابٌ بعد الولادة، أو حدادٌ على من رحل في تلك السنة، أو زواجٌ متعب، أو طفلٌ آخر مريض، أو فقرٌ حقيقي، أو خوفٌ من فقدك أنت بعد فقدٍ سابق.

كلّها تشغل العين، ولا تجعلها قاسية.

وأمّهاتٌ كثيرات أحببن بصدق ولم يعرفن كيف يرين، لأنهنّ هنّ أيضاً لم يُرين. ولا أحد يعطي ما لم يأخذه.

وهذا ليس عذراً، ولا يمحو شيئاً ممّا حصل. لكنه فهم، والفهم يفعل ما لا يفعله اللوم.

كيف يظهر هذا في علاقاتك اليوم؟

الصورة التي تشكّلت في سنواتك الأولى عن كيف تنظر إليك العيون لم تبقَ عند أمّك. انتقلت معك إلى المعلّم في المدرسة، ثم إلى أوّل مدير، ثم إلى من تحبّ.

ولهذا تجد نفسك تشرح ذاتك أمام شخصٍ بعينه ولا تشرحها أمام غيره. تشرح لماذا تأخّرت، ولماذا شعرت بما شعرت، وتعيد الجملة بصياغةٍ ثانية حتى يفهم، ثم تخرج متعباً بلا سببٍ واضح فتقول: يمكن أنا الحسّاس.

لستَ حسّاساً. أنت تقف أمام مرآةٍ قديمة. من تشرح نفسك أمامه يقف، بلا أن يدري، في الموقع نفسه الذي وقفت فيه أوّل عينٍ لم ترك. وجسدك يتذكّر الموقع قبل أن يتذكّر عقلك الوجه.

انعكاسٌ جزئيّ في مرآةٍ قديمة، يشير إلى الصورة التي نحملها عن أنفسنا، أكاديمية نحّات الحياة

وأوضح مكانٍ يظهر فيه هذا: حين تُرسل رسالةً ولا يصلك ردّ. في أوّل نصف ساعة تفعل واحداً من اثنين، إمّا أن ترسل ثانية، وإمّا أن تقفل الهاتف وتقول لنفسك إنك لا تحتاج أحداً.

وهذا ليس قرار اليوم. هذا قرارٌ اتّخذته وأنت رضيع، وما زلت تعيده في ثوانٍ.

من أين تبدأ إن وجدتَ نفسك في هذا المقال؟

لن أعطيك خطواتٍ سريعة، لأن هذا الموضوع لا يُحلّ بخطواتٍ سريعة. لكنني أعطيك أربعة أشياء تبدأ منها فعلاً.

الأوّل: سَمِّ ما تنتظره بدقّة. ليس «أريد أن يهتمّ بي»، بل «أريده أن ينتبه حين أصمت». التسمية الدقيقة وحدها تغيّر الطلب.

الثاني: اسأل هل يملك هذا أصلاً. لا هل يستحقّ، ولا هل يحبّني. هل يملكه. لأن من لم يُرَ لا يعرف كيف يرى، وأنت تطلب منه لغةً لم يتعلّمها.

الثالث: اطلب مرةً واحدة بوضوح، بجملةٍ قصيرة بلا عتابٍ وبلا تاريخٍ قديم فيها.

الرابع: اطلب الباقي من مكانٍ يملكه. صديق، أو مجموعة، أو مرافقة متخصّصة، أو دفترٌ تكتب فيه. الرؤية لا تأتي من بابٍ واحد، ومن ينتظرها كلها من شخصٍ واحد يظلم نفسه ويظلمه.

وأعرف أن النصيحة السائدة تقول: ابتعد، وضع حدوداً، واحمِ نفسك. ولا أقول إنها كاذبة في كل شيء، لكنها تعالج العَرَض وتترك الجذر، لأن من يهرب يحمل جرحه معه ويلتقي بنسخةٍ أخرى من التجربة في وجهٍ جديد.

أنت لا تحتاج جداراً. تحتاج فهماً. والفهم لا يُضعفك، يحرّرك.

وإن أردت أن ترى الجذر الأوّل لهذا الشعور، من أوّل عينٍ نظرت إليك، فماستر كلاس «مرآة الأم» يبدأ من هناك. ولمن يريد العمل الكامل على ما ورثه من أنماط، ورشة «فك شيفرة الصدمات الموروثة».

وقبل أن تغلق هذه الصفحة، خذ ثلاث ثوانٍ مع سؤالٍ واحد:

متى آخر مرة شعرتَ أن أحداً رآك فعلاً، لا رأى ما تقدّمه له؟

Custom HTML/CSS/JavaScript
مهنَّد مزيِّك

مهنَّد مزيِّك

مهنّد مزيّك، مؤسس أكاديمية نحّات الحياة، متخصص في علاج الصدمات الموروثة وصدمات الطفولة والعلاقات، ومرخّص بتدريس الكوتشينغ النفسي ما وراء المعرفي للمستويات الثلاثة. يكتب من واقع تجربة حقيقية، ويشارك أدوات عملية تصل إلى جذر الألم لا إلى سطحه.

Instagram logo icon
Youtube logo icon
LinkedIn logo icon
Back to Blog