
لماذا أشعر أن حتى السماء لا تستجيب لي؟
يدعو الإنسان، ويطول الانتظار، فتمرّ في رأسه جملةٌ لا يقولها لأحد:
«يعني أنا حتى عند ربّي غير مهمّ.»
ثم يخاف من الجملة نفسها، فيدفنها ويشعر بالذنب من مرورها.
هل هذا الشعور ضعفٌ في الإيمان؟
هذا الشعور ليس ضعف إيمان ولا قلّة دين. هو في أغلب الحالات امتدادٌ لصورةٍ داخلية عن كيف تنظر إلينا العيون، تشكّلت في السنوات الأولى قبل أن نملك كلمةً واحدة. وحين تكون تلك الصورة عيناً منشغلةً أو محاسبة، يصعب على الإنسان أن يتخيّل عيناً تقبله بلا شرط، فيُسقط الصورة الأولى على السماء دون أن يقصد.
وأنا أقولها بوضوحٍ لأنها تُساء قراءتها بسهولة: نحن هنا لا نتكلّم عن الله. نتكلّم عن الصورة التي رسمها الإنسان، وهي صورةٌ بشرية المنشأ.
ما الذي تقوله أبحاث التعلّق عن هذا؟
في علم نفس الدين، درس بير غرانكفيست وزملاؤه علاقة أنماط التعلّق المبكر بالتجربة الروحية لدى البالغين، وقدّموا ما يُعرف بفرضية التوافق: أن كثيرين يبنون علاقتهم بالمقدّس على النمط نفسه الذي بنوا به علاقتهم بمن رعاهم أوّلاً.
من عرف عينَ رعايةٍ مستجيبة يميل إلى تصوّر مصدرٍ قريبٍ ومستجيب. ومن عرف عيناً متقلّبةً أو مشغولة يميل إلى انتظار الغياب، حتى في مكانٍ يؤمن هو نفسه بأنه رحيم.
وهذا لا يقول شيئاً عن حقيقة السماء. يقول شيئاً عن العدسة التي ننظر بها.
كيف يظهر هذا في حياة الإنسان اليومية؟
يظهر في ثلاثة أشكال.
الأوّل: أن يشعر الإنسان أنه لا يستحقّ ما يطلبه، فيصغّر طلبه قبل أن يقوله، حتى في دعائه.
الثاني: أن يقرأ التأخير رفضاً فورياً، لأنه تعلّم مبكراً أن الانتظار يعني أن أحداً لم ينتبه.
الثالث: أن يتأرجح بين تديّنٍ شديد وابتعادٍ مفاجئ، لأن العلاقة مبنيّة على إثبات الاستحقاق لا على الطمأنينة.
وأنا مررت بشيءٍ من هذا. تنقّلت سنوات بين المدارس الروحية وقرأت في الأديان والمخطوطات القديمة، ووجدت أن كلّها تقول شيئاً واحداً: أحبّ. ثم اكتشفت أن ما كان يمنعني من تصديق ذلك لم يكن عقيدةً، بل عيناً بشريةً تعبت في وقتٍ لم أكن أفهم فيه شيئاً.

ماذا يتغيّر حين تنفصل الصورتان؟
يتغيّر شيئان في الوقت نفسه.
تهدأ علاقتك بنفسك، لأنك تكفّ عن قراءة كل تأخيرٍ حكماً على قيمتك.
وتهدأ علاقتك بالسماء، لأنك تكفّ عن انتظار رفضٍ من مكانٍ فيه رحمة.
وهذا الانفصال لا يحدث بقرار. يحدث حين ترى بوضوحٍ من أين جاءت الصورة، ومتى، وعلى أيّ وجه.
ولهذا الشعور تاريخ، وما له تاريخٌ له طريق.
وجذر هذه الصورة الأولى مشروحٌ بالتفصيل في المقال المحوري: لماذا أشعر أن لا أحد يراني؟
وإن أحببتَ أن تعمل على هذه الصورة من جذرها، بهدوءٍ وبلا لوم، فماستر كلاس «مرآة الأم» مساحةٌ مخصّصة لذلك.
ما الصورة التي رسمتَها للعين الأولى، وهل ما زلت تنظر بها إلى كل شيء؟
