من يملأ مكان الأب، كرسيّان متجاوران أحدهما مستعمَل والآخر محفوظ، أكاديمية نحّات الحياة

هل يعوّض الجدّ أو العمّ مكان الأب؟

October 08, 2026•6 min read

قد تكون ممتنّاً لجدّك امتناناً حقيقياً، ومع ذلك يبقى في داخلك سطرٌ لم يكتبه أحد.

وهذا التركيب يربك الكثيرين. يقولون: «جدّي ربّاني، وما قصّر معي يوماً، فليش لسّه حاسس بهالفراغ؟» ثم يضيفون بسرعة، كأنّهم يعتذرون: «مو ناكر جميله، الله يرحمه.»

الامتنان والفراغ ليسا متناقضين. هما يسكنان الصدر نفسه، وكلّ واحدٍ منهما صادق. والذي يجعلهما يبدوان متناقضين هو أننا نتعامل مع مكان الوالد كأنه مكانٌ واحد، بينما هو في حياة الإنسان مكانان.

ما الذي أعطاه لك من ربّاك فعلاً؟

من حضر أعطاك أشياء حقيقية وثقيلة.

أعطاك مصروفك، ووقف في حفل تخرّجك، وعلّمك كيف تصافح الناس. قال لك «أحسنت» حين احتجت أن تسمعها، ووقف معك في اليوم الذي احتجت فيه ذكراً يقف. هذا ليس قليلاً، وليس بديلاً ناقصاً عن شيء آخر.

هذا هو الموقع الوظيفي: من قام بالدور في يومك. وقد يملؤه جدّ، أو عمّ، أو خال، أو أخ كبير، أو والدة حملت الدورين معاً. وهو موقع يُملأ فعلاً، ومن ملأه يستحقّ التكريم على ما أعطى، لا التقليل منه.

لكن هناك موقعاً ثانياً، وهو الذي يبقى واقفاً في مكانه مهما فعل أحد.

ولماذا لا يُملأ الموقع الأوّل؟

الموقع البيولوجي هو الذي جئت منه أنت. والحياة مرّت إليك عبر اثنين بالذات، لا عبر غيرهما.

وفي ترتيب النسق العائلي، الأسبقية لمن جاء أوّلاً. من أعطى الحياة له مكانه الأوّل، ومن جاء بعده مهما أعطى يقف في مكانه هو. يصف بيرت هيلينغر، مؤسّس منهجية النسق العائلي، هذا الترتيب في كتابه Love's Hidden Symmetry، ويلاحظ أن قلبه يصنع اضطراباً يظهر لاحقاً في مكانٍ لا يربطه أحد بأصله.

وهناك سببٌ ثانٍ، أقرب إلينا من الكتب.

في ثقافتنا العربية، يحمل الإنسان اسم والده في وسط اسمه. تُعرَّف به في شهادة ميلادك، وفي جواز سفرك، وفي عقد زواجك، وفي النداء عليك أمام الناس: «ابن فلان»، «بنت فلان». حتى لو غاب الوالد، أو مات قبل أن تفتح عينيك، أو لم تعرف وجهه يوماً، يبقى اسمه مكتوباً في اسمك.

الموقع البيولوجي مسجّل في هويتك حرفياً. ولهذا لا يُملأ.

وماذا لو لم يكن هناك من يملأ الموقع أصلاً؟

هناك من لم يجد جدّاً ولا عمّاً ولا أخاً كبيراً. وهناك من حملت والدته الدورين معاً، فكانت الوالدة والوالد في شخصٍ واحد.

وهذه الحالة الثانية تحديداً تستحقّ وقوفاً، لأنها الأكثر شيوعاً في بيوتنا، والأقلّ كلاماً عنها.

الوالدة التي تحمل الدورين تعطي فوق طاقتها. تعمل، وتربّي، وتقرّر، وتحمي، وتؤدّي في يومها ما يؤدّيه اثنان. والأبناء يرونها قويّة ويفخرون بها، وهي تدفع الثمن في جسدها وفي صحّتها وفي سنواتها.

والذي يحدث في داخل الطفل أدقّ من الامتنان: يرى والدةً بوجهين. الوجه الذي يحتضنه، والوجه الذي يحاسبه. فلا يعرف بأيّ وجهٍ ستقابله اليوم، ويتعلّم أن يقرأ ملامحها قبل أن يتكلّم.

ثم يكبر، ويقرأ ملامح كل من أمامه قبل أن يتكلّم. ويسمّي ذلك حساسيةً، أو ذكاءً اجتماعياً، وهو في أصله مهارة نجاة تعلّمها في بيته.

وهذا لا يجعل الوالدة مذنبة. هي حملت ما لم يكن يُفترض أن تحمله وحدها، وفعلت ما استطاعت بما كان عندها. والاعتراف بالكلفة ليس اتّهاماً لها، هو رؤية لما جرى كما جرى.

ماذا يحدث حين نقول «جدّي هو أبي»؟

هذه الجملة تُقال غالباً من محبّة، وأحياناً من وفاء لمن تعب.

وفرقٌ دقيق يحسم أثرها: هل تقولها تكريماً، أم تقولها استبدالاً؟

حين تقولها تكريماً، فأنت تقول: هذا الإنسان أعطاني ما يعطيه الأب، وأنا أعترف بفضله. وهذا سليم، ويريح الجميع.

وحين تقولها استبدالاً، فأنت من غير قصد تُخرج والدك البيولوجي من الصورة. وفي النسق، من يُقصى لا يغيب. يعود عبر من جاء بعده: في حنينٍ ثقيل لا تعرف سببه، أو في طفلٍ في العائلة يشبهه في ملامحه أو في مصيره، أو في وظيفةٍ يحملها أحد أفراد البيت بلا أن يفهم لماذا هي على كتفه.

والإقصاء هنا لا يحتاج نيّة سيئة. يكفي أن يُسكَت عن اسمه، أو يُروى دائماً في دور الشرّير، أو يُمحى من الحكاية بحسن نيّة حمايةً للأطفال. وهذا بالضبط ما شرحته في الإرث المُعلَّق: ما لا يجد مكانه في جيل، يبحث عن مكان في الجيل الذي بعده.

فما البديل عن الملء؟

البديل حركة واحدة، وهي أهدأ ممّا يتوقّع الناس: الاعتراف بدل الملء.

أن يبقى لكلّ واحدٍ مكانه. من ربّاك في مكان من ربّاك، مكرَّماً على ما أعطى. ومن جئت منه في مكانه، حتى لو كان المكان فارغاً تماماً، وحتى لو لم يكن فيه أحد يوماً.

وهنا الجملة التي يصعب تصديقها في البداية: الفراغ المُعترَف به أخفّ من الفراغ المُنكَر.

الفراغ المُنكَر يشتغل في الخلفية طوال الوقت. يجعلك تبحث عن أبٍ في مديرك، وفي أستاذك، وفي كل ذكرٍ أكبر منك يمدحك فترتفع أسهمه عندك بلا سبب مفهوم. أمّا الفراغ الذي رأيته وسمّيته باسمه، فيصير حزناً له بداية ونهاية، والبحث المستمرّ لا بداية له ولا نهاية.

ولهذا يشعر كثيرون براحة غريبة حين يقولون لأوّل مرّة: «أنا ما كان عندي أب.» لا لأن شيئاً تغيّر في الماضي، بل لأن شيئاً توقّف عن الاختباء.

وماذا عمّن آذاك؟

سؤال يأتي دائماً، ويستحقّ جواباً واضحاً.

الاعتراف بالمكان ليس موافقةً على ما حدث، ولا مصالحةً مطلوبة، ولا لقاءً يجب أن يتمّ. ما فعله يبقى ما فعله، ولا أحد مطالَب بتبريره أو نسيانه.

الاعتراف يقول شيئاً واحداً فقط: أنت مصدر حياتي، وهذه حقيقة لا تُلغى بما جرى بعدها. والباقي يبقى بينك وبينه، وأنت لست مسؤولاً عن حمله.

وحيث يوجد خطر على الجسد، فالسلامة أوّلاً ولا نقاش فيها. الكلام هنا عن مكانٍ في داخلك، لا عن مسافةٍ في الجغرافيا.

كيف تعرف أن الموقع ما زال ينتظر؟

ثلاث علامات تظهر عادةً معاً.

الأولى: ارتباكٌ حين يُسأل عن والدك. تجد نفسك تشرح أكثر من اللازم، أو تختصر بجملة حفظتها وتكرّرها بالنصّ نفسه منذ سنوات. الجملة المحفوظة علامة على بابٍ أُغلق، لا على موضوعٍ انتهى.

والثانية: حساسية غير مفهومة تجاه ذكرٍ أكبر منك. مديرك، أو أستاذك، أو أخو زوجتك. كلمة منه تزن عندك أكثر من كلمة أيّ أحد، مدحاً أو نقداً. وهذا هو معنى أن تكون العلاقة مرآة: ما يزن أكثر من حجمه يدلّك على موقعٍ في داخلك لا على شخصٍ أمامك.

والثالثة: حنين ثقيل في مناسبات بعينها. في الأعياد، أو حين يتخرّج ابنك، أو في لحظة نجاحٍ كبيرة. يأتي شعور بأن أحداً ناقصاً في الصورة، ولا تعرف من هو بالضبط، ثم يمرّ بسرعة وتكمل يومك.

هذه العلامات لا تعني أن حياتك متأزّمة. تعني أن هناك مكاناً في داخلك ما زال شاغراً، وأنك تحمله بهدوء منذ سنوات.

ما الذي يتغيّر بعد هذا؟

لا يتغيّر الماضي.

يتغيّر شيء آخر: تتوقّف عن مطالبة من حضر بأن يكون شخصاً آخر. فتستطيع أن تحبّ جدّك كجدّك، لا كنسخةٍ ناقصة عن أبٍ لم يكن. وهذه أكبر هديّة تعطيها له، لأنه هو أيضاً كان يشعر بالمقارنة ولا يقولها.

وتتوقّف عن مطالبة الناس في حياتك بأن يسدّوا مكاناً لم يُخلقوا له. المدير يبقى مديراً، والأستاذ أستاذاً، والزوجة زوجة. وهذا وحده يخفّف عن علاقاتك وزناً لم تكن تعرف أنها تحمله.

ويتغيّر شيء في علاقتك بأبنائك. لأن من لم يجد موقع والده، غالباً يعوّض في اتّجاهين: إمّا يعطي أبناءه كل ما لم يجده حتى يفقد الحدّ، وإمّا يقسو عليهم بلا أن يفهم من أين جاءت القسوة. والاتّجاهان يخرجان من المكان نفسه.

وهذا هو الجذر الذي فتحته في لماذا أشعر أنني تحت الاختبار دائماً؟، حيث يصير الإنسان يقدّم أوراقه طوال عمره لموقعٍ عاجزٍ عن الردّ.

والسؤال الذي يبقى معك بعد هذا المقال:

المكان الذي في داخلك، هل تحاول أن تملأه، أم تستطيع أن تراه؟

أسئلة شائعة

هل يمكن لشخص آخر أن يقوم بدور الأب؟

نعم، في الموقع الوظيفي. الجدّ أو العمّ أو الخال أو الأخ الكبير أو الوالدة التي حملت الدورين، كلّهم يستطيعون أن يؤدّوا دور الأب في التربية والحضور والسند، ويستحقّون التكريم على ذلك. أمّا الموقع البيولوجي، أي كون هذا الشخص هو من جئت منه، فلا ينتقل لأحد، ويبقى قائماً حتى لو لم يحضر صاحبه يوماً.

لماذا أشعر بالفراغ رغم أن جدّي ربّاني جيداً؟

لأن الامتنان والفراغ يخصّان موقعين مختلفين. امتنانك لمن ربّاك يخصّ ما أُعطي لك فعلاً، والفراغ يخصّ موقعاً آخر بقي فارغاً. وشعورك بالفراغ ليس نكراناً للجميل، ولا يقلّل ممّا قدّمه من حضر. الاثنان صادقان معاً.

هل الاعتراف بمكان الأب يعني مسامحته؟

لا. الاعتراف بالمكان يقول إن هذا الشخص هو مصدر حياتك، وهذه حقيقة مستقلّة عمّا فعله أو لم يفعله. المسامحة موضوع آخر، وقد تأتي أو لا تأتي، وليست شرطاً. وحيث يوجد خطر على الجسد، فالسلامة أوّلاً، والعمل يبقى داخلياً.

Custom HTML/CSS/JavaScript
مهنَّد مزيِّك

مهنَّد مزيِّك

مهنّد مزيّك، مؤسس أكاديمية نحّات الحياة، متخصص في علاج الصدمات الموروثة وصدمات الطفولة والعلاقات، ومرخّص بتدريس الكوتشينغ النفسي ما وراء المعرفي للمستويات الثلاثة. يكتب من واقع تجربة حقيقية، ويشارك أدوات عملية تصل إلى جذر الألم لا إلى سطحه.

Instagram logo icon
Youtube logo icon
LinkedIn logo icon
Back to Blog