
الإرث المُعلَّق: ما لم يكتمل عند أجدادك يبحث عن حلٍّ فيك
طفلٌ يولد باضطرابٍ لا يجد له الأطباء تفسيراً. رجلٌ يسعى بكل جهده في طريقٍ فتأتيه الأمور عكس ما خطّط، مرةً بعد مرة. امرأةٌ ترتقي سلّم النجاح، ثم تهوي بين ليلةٍ وضحاها دون سببٍ ظاهر.
ما الذي يجري هنا؟ نظنّ أن حياتنا تبدأ يوم ولدنا، وأن ما نعيشه اليوم صنعناه نحن وحدنا. لكن ما رأيته في سنوات عملي، في الجلسات الفردية وفي ورش العمل، يقول شيئاً آخر.
أشعر بقوةٍ أنني تحت تأثير أمورٍ أو أسئلةٍ تركها والداي وأجدادي وأسلافي الأبعد ناقصةً وبلا جواب. يبدو الأمر في كثيرٍ من الأحيان كما لو أن هناك كارما غير شخصية داخل الأسرة، تنتقل من الآباء إلى الأبناء. ولطالما شعرت أنه عليّ أن أجيب عن أسئلةٍ طرحها القدر على أسلافي ولم تُجَب بعد، أو أنه عليّ إكمال، أو ربما مواصلة، أمورٍ تركتها الأجيال السابقة غير مكتملة.كارل يونغ، «ذكريات، أحلام، تأمّلات»، ص 233
كثيرون منّا يأتون إلى هذه الحياة وهم يحملون أحمالاً ليست أحمالهم. نمرّ بتجارب تشكّلنا وتترك آثارها، أو نترك نحن آثاراً في آخرين، معتقدين أن كل هذا سينتهي معنا ويزول عند رحيلنا.
وهذا أصعب ما واجهته في حياتي وفي حياة من أعمل معهم: أن هذا غير صحيح. لم ينتهِ الأمر مع من قبلنا، ولن ينتهي معنا. فأيّ شيءٍ معلَّق سيبحث عن حلّ. ما تركه أجدادنا معلّقاً جاء يبحث عن حلّه في حياتنا. وما نتركه نحن معلّقاً سيبحث عن حلّه في حياة أبنائنا وأحفادنا.
ما الإرث المُعلَّق؟
الإرث المُعلَّق هو كل ما تركه من سبقونا ناقصاً أو بلا حلّ: جرحٌ لم يُشفَ، علاقةٌ لم تُصلَح، قصةٌ لم تكتمل، ألمٌ لم يُنظر إليه. وهو لا يزول برحيل صاحبه، بل ينتقل بحثاً عن اكتماله في الجيل التالي. فأيّ نقصانٍ يبحث عن كمال.
هذا هو المبدأ الذي أراه يعمل في كل جلسة تقريباً. المعلَّق لا يختفي، ينتظر. ينتظر من يراه ويكمله. وإن لم يجده في جيلٍ، بحث عنه في الجيل الذي يليه.
أيّ نقصانٍ يبحث عن كمال. هذه ليست فلسفة، هذا ما أراه يتكرّر أمامي كل أسبوع.
كيف ينتقل ما لم نعشه إلى أجسادنا؟
هنا يلتقي ما نراه في العمل مع ما يقوله العلم الحديث. وإن كنت تريد أن تفهم أولاً ما الصدمة النفسية وأين تسكن فيك قبل الحديث عن توريثها، تناولت ذلك في مقال «لماذا أتصرف هكذا؟». علم التخلّق، أو ما فوق الجينات (Epigenetics)، يكشف شيئاً مذهلاً عن كيفية انتقال هذا الإرث.
ثلاثة أجيال في جسدٍ واحد
حين تكون المرأة حاملاً بأنثى، تتشكّل كل البويضات التي ستحملها تلك الأنثى طوال حياتها وهي لا تزال جنيناً في رحم أمّها. تبدأ العملية مبكراً في الحمل، وتبلغ ذروتها نحو الشهر الخامس، حين يصل عدد البويضات إلى أكثر من سبعة ملايين. ولا تُنتج المرأة بويضةً جديدةً واحدة بعد ولادتها.
توقّف عند هذه الحقيقة لحظة. هذا يعني أن جدّتك، حين كانت حاملاً بوالدتك، كانت تحمل في جسدها ثلاثة أجيال في آنٍ واحد: هي، ووالدتك، والبويضة التي صرت أنت. ثلاثة أجيال في جسدٍ واحد.
فإذا تعرّضت تلك الجدّة لضغوطٍ نفسية أو توتّراتٍ أو صدماتٍ أو تجارب حياتية قاسية، فإن أثر تلك التجارب لا يقف عندها. ينتقل إلى جنينها الأنثى، ومنه إلى بويضات ذلك الجنين، ويطبع بصمته فيها.
والبويضة والحيوان المنوي اللذان سيشكّلانك يوماً يحملان بصمات تجارب آبائك وأجدادك، وخاصةً التجارب المؤلمة. هذه التجارب تعيد برمجة الجينات وفق ما مرّوا به، فتُحفّز صفاتٍ وتُوقف أخرى. وهكذا تنتقل البصمة إلى أبنائنا، بل وإلى أحفادنا.
هذا ما وثّقته دراسة الباحثة راشيل يهودا وفريقها في مركز ماونت سيناي الطبّي، المنشورة عام 2016 في مجلة Biological Psychiatry، على أبناء الناجين من الهولوكوست. أظهرت تغيّراتٍ لاجينية في الجين المرتبط بتنظيم استجابة التوتّر (FKBP5)، عند الآباء وأبنائهم معاً. أبناءٌ لم يعيشوا الحدث، لكن أجسادهم تحمل أثره.
لست أول من يشعر بهذا الخوف. أنت آخر من يحمله.
كيف يظهر المعلَّق في حياة من لم يعشه؟
لكن الإرث لا ينتقل عبر الجينات وحدها. ينتقل أيضاً في ما لا يُقال. في الصمت المحيط بموضوعٍ بعينه. في نبرةٍ تتغيّر كلما ذُكر اسمٌ ما. في غيابٍ لا يفسّره أحد.
يروي معلّمي مارك وولين قصةً عن امرأةٍ جاءته بشأن ابنها بعد أن احتار به الطبّ. كان الابن يواجه صعوبةً في الكلام ويتلعثم كثيراً، ويعاني من صعوبةٍ في تحريك قدمه، وكأنه يجرّها جرّاً. وتنقّلت التشخيصات بين شللٍ دماغيٍّ بسيط والتهاباتٍ في الأعصاب، دون أن يستقرّ أحدٌ على شيء.
وأثناء البحث في تاريخ العائلة، أخبرته المرأة أنها تزوّجت والد ابنها بعد قصة حبّ، ثم أصبح مدمناً على الكحول، فوجدت صعوبةً في العيش معه، وتركته قبل ولادة مولودها ورحلت. ورغم أن الابن لم يقابل والده أبداً، كان حضور الوالد محسوساً في كل ما يجري مع الولد. فحركاته، من التلعثم في الكلام إلى جرّ قدمه، كانت تشبه حركات السكران التي رفضتها الوالدة في والده.
لن نناقش هنا صحّة قرارها. ليس هذا موضوعنا، ولا هو من حقّنا. المرأة فعلت ما رأته ممكناً في لحظته، وكل قرارٍ يُتّخذ في ظرفٍ لا يعرفه إلا صاحبه.
ما نتحدّث عنه شيءٌ آخر تماماً: أن لكل قرارٍ عواقب. لا بمعنى العقاب، بل بمعنى النتائج التي تتبعه. بعضها يناسبنا، وبعضها لا يناسبنا. والقرار هنا لم يُنهِ حضور الوالد، لأن الوالد لا يُلغى. يبقى نصف الابن مهما غاب جسده. وحين يُستبعد أحدٌ من النسق، لا يختفي، بل يظهر في مكانٍ آخر. ظهر هنا في جسد الطفل.
لهذا الحلّ لم يكن في الندم على الرحيل. كان في الاعتراف. أن يعود الوالد إلى مكانه في النسق كأب، بجرحه وإدمانه وكل ما كان، لا أن يُمحى. فما نرفض رؤيته، نضطرّ إلى حمله.

ما نستبعده لا يغيب، بل يبحث عن مكانٍ آخر يظهر فيه. وغالباً يظهر في أقرب من نحبّ.
ما أعظم إرثٍ يمكن أن نتركه لأبنائنا؟
في مفهومنا العربي، دائماً ما نسمع الوالدين يردّدان: نريد أن يكون أبناؤنا أحسن الناس. نريد لهم أفضل شيء. نعمل بكل جهدنا لإسعادهم ولتأمين مستقبلهم. ونظنّ أن كل ما يحتاجونه هو الطعام والشراب والمال والدراسة.
ونتناسى أن هناك ما هو أعمق بكثير، وهو يشكّل مستقبلهم كلّه: آلامنا نحن، وقصصنا غير المكتملة.
كثيراً ما أقول لطلابنا وأصدقائنا: إن أفضل إرثٍ يمكننا تركه لأبنائنا هو أن نحرّر أنفسنا من صدماتنا ومن آلامنا، وأن نشافي علاقاتنا. وهذا يحتاج إرادةً وشجاعة. شجاعةً لمواجهة آلامنا، ولأن ننظر إلى من نشعر ونعتقد أنهم آذونا بعيونٍ مختلفة، وبقلوبٍ مفتوحة مليئة بالحبّ.
لأن ما لا نكمله نحن، سيمرّ أبناؤنا بالتجربة نفسها ليكملوه. لنتذكّر دائماً أن لنا دوراً كبيراً وعظيماً في مسار حياة أبنائنا وأحفادنا، بل وقد يمتدّ إلى أحفاد أبنائنا. فالأخطاء، والقرارات التي نتّخذها، وقصصنا غير المكتملة بوعيٍ أو بغير وعي، والعلاقات التي نهرب منها ونتجنّب إصلاحها، كلها أمورٌ معلّقة. إن لم نكملها، بحثت عن كمالها في حياتهم.
وحين نختار التشافي وإكمال التجارب، لن تتحسّن حياتنا وحدها. تتحسّن حياة أبنائنا وأحفادنا، ويتحرّرون من حملٍ كان سيُثقلهم دون أن يعرفوا لماذا.
فأيّ حملٍ تحمله اليوم، وتشعر في أعماقك أنه ليس حملك أنت؟ وأيّ قصةٍ في عائلتك ما زالت تنتظر من ينظر إليها أخيراً؟
المصادر والمراجع
Jung, C. G. (1963). Memories, Dreams, Reflections. Pantheon Books, p. 233.
Yehuda, R. et al. (2016). Holocaust Exposure Induced Intergenerational Effects on FKBP5 Methylation. Biological Psychiatry, 80(5), 372-380.
Wolynn, M. (2016). It Didn't Start with You. Viking Press.
Hellinger, B. (1998). Love's Hidden Symmetry. Zeig, Tucker & Co.
Custom HTML/CSS/JavaScript
