
لماذا نتعلّق؟ حين نبحث عن اكتمالنا في شيءٍ خارجنا
هناك لحظة يعرفها كثيرون. تفكّر في أن شيئاً ما قد يغيب عن حياتك، شخصاً، أو دوراً، أو حتى فكرة عن نفسك، فتشعر أنك لن تفقده وحده. ستفقد معه قطعة من تعريفك لمن تكون.
لا نتحدّث هنا عن الحب. الحب لا يخيفك فقدُه إلى هذا الحدّ. ما نتحدّث عنه شيء أعمق وأخفى. شيء يجعلك تتمسّك لا لأنك تريد، بل لأنك تظنّ أنك لن تبقى كاملاً بدونه. هذا هو التعلّق. وهو غالباً ليس عن الشيء الذي تتعلّق به، بل عن فراغٍ فيك يحاول هذا الشيء أن يملأه.
ما الفرق بين أن تحبّ… وأن تتعلّق؟
التعلّق حالة نفسية يستمدّ فيها الإنسان إحساسه بالاكتمال أو القيمة من شيءٍ خارج ذاته، شخصٍ أو دورٍ أو ممتلك، فيصبح فقدُ ذلك الشيء تهديداً لإحساسه بمن يكون. يختلف عن الحب في أن الحب اكتفاءٌ يتّسع للآخر، بينما التعلّق حاجةٌ تطلب من الخارج ما يسدّ نقصاً في الداخل.
حين تحبّ، أنت كاملٌ وتختار أن تشارك اكتمالك مع أحد. وحين تتعلّق، أنت ناقصٌ وتبحث عمّن يكمّلك. الفرق دقيق لكنه يغيّر كل شيء. الحب يعطي من امتلاء. التعلّق يأخذ من فراغ.
لهذا الحب لا يقلق، والتعلّق يعيش في القلق. من يحبّ يطمئنّ إلى حضوره في ذاته أولاً. ومن يتعلّق يراقب، ويخاف، ويحسب، لأن كيانه صار مرهوناً بشيءٍ لا يملكه.
هل نتعلّق بالأشخاص فقط… أم بكل ما يمنحنا إحساساً بالاكتمال؟
نظنّ أن التعلّق حالةٌ عاطفية بين اثنين. لكنه أوسع من ذلك بكثير. يمكن أن نتعلّق بفكرة الزواج قبل أن نعرف بمن سنتزوّج، لأن الفكرة نفسها صارت تحمل وعداً بالاكتمال. يمكن أن نتعلّق بمنصبٍ في العمل، فنشعر أننا بلا قيمة لحظة نتخيّل فقده. يمكن أن نتعلّق بسمعتنا، بصورتنا أمام الناس، بجوّالٍ لا نتركه، بعادةٍ تسكّت قلقاً لا نعرف اسمه.
القاسم المشترك واحد. في كل مرة، الشيء الذي نتعلّق به صار يحمل جزءاً من إجابتنا على سؤال «من أنا؟». فحين يهتزّ، يهتزّ تعريفنا لأنفسنا معه. التعلّق ليس مقداره في الشيء، بل في مقدار ما وضعناه فيه من أنفسنا.
من أين يأتي هذا الشعور بالنقص؟
لا يولد الطفل وهو يشعر بالنقص. يتعلّم ذلك. يتعلّمه حين يمرّ في سنواته الأولى بحاجاتٍ مشاعرية لم تُلبَّ كما ينبغي، حاجةٍ إلى أن يُرى، أن يُسمع، أن يُحتضن، أن يشعر أنه مهمٌّ كما هو لا كما يُنتظر منه أن يكون.
في علم النفس، يُعرف هذا باسم «مخطّط الحرمان المشاعري» (Emotional Deprivation Schema)، وهو من مفاهيم العلاج المخطّطي (Schema Therapy) الذي طوّره الطبيب النفسي جيفري يونغ. يصف هذا المخطّط حالةً تنشأ من احتياجاتٍ مشاعرية لم تُلبَّ في الطفولة، فتترك في الإنسان إحساساً دائماً بالفراغ، وشعوراً بأنه غير مرئيٍّ وغير كافٍ، يجعله يبحث طوال حياته عمّن يملأ له هذا الفراغ من الخارج.
الطفل الذي لم يُشبَع في حينه لا ينسى. يكبر جسده، ويبقى الاحتياج كما هو، صامتاً في العمق. وحين يصير بالغاً، لا يطلب الحنان من والدته التي فاتت لحظتها، بل يطلبه ممّن أمامه اليوم، من زوجٍ أو صديقٍ أو دور. يحبّ من موضع النقص لا من موضع الاكتمال. ويتعلّق، لأنه يظنّ أن هذا الشخص، هذا الشيء، سيمنحه أخيراً ما حُرم منه.

لماذا نخاف أن نفقد من نتعلّق به؟
نظنّ أن خوفنا من الفقد هو خوفٌ على الشخص أو الشيء. لكنه في الحقيقة خوفٌ من أنفسنا. خوفٌ ممّا سنراه حين يغيب.
ما دام هذا الشيء حاضراً، يبقى الفراغ الداخلي مغطّى. الشخص يسكّت السؤال، المنصب يؤجّل المواجهة، الصورة أمام الناس تحجب المرآة. فحين يهدَّد أيٌّ منها بالغياب، لا نخاف الغياب نفسه، بل نخاف أن يُكشف الفراغ الذي كان يغطّيه. نخاف أن نبقى وجهاً لوجه مع سؤالٍ أجّلناه طويلاً: من أنا حين لا يبقى معي شيء أستند إليه؟
لهذا يكون فقد ما نتعلّق به مؤلماً إلى هذا الحدّ. ليس لأننا خسرناه، بل لأنه أعادنا إلى الجرح الأول الذي كنّا نهرب من رؤيته.
هل نتمسّك أحياناً كي لا نفقد أنفسنا؟
«لا أعرف نفسي بدونه.» جملةٌ تُقال كثيراً، وتحمل أصدق وصفٍ للتعلّق. حين يصبح شخصٌ أو دورٌ هو المكان الذي نعرف فيه ذواتنا، يصير التمسّك به تمسّكاً بالهوية نفسها. ليس عن حبّ، بل عن خوفٍ من الضياع. من نكون إن رحل؟ لا نملك الجواب، فنتشبّث كي لا نُضطرّ إلى مواجهة أننا لا نملكه.
وأحياناً نتعلّق بشيءٍ أعمق من شخص. نتعلّق بدورنا كضحية، لأنه صار يعرّفنا. نتعلّق بالألم المألوف، لأن الألم الذي نعرفه أقلّ رعباً من فراغٍ لا نعرف كيف نملؤه. نتعلّق بفكرةٍ عن أنفسنا حتى لو كانت تؤذينا، لأن التخلّي عنها يعني أن نبدأ من جديد في تعريف من نكون. والبداية من الصفر مخيفة لمن لم يشعر يوماً أنه كافٍ.
هنا بالضبط يبدأ العمل الحقيقي. لا في أن تقطع الشيء الذي تتعلّق به، بل في أن تفهم أيّ فراغٍ فيك جعلته يبدو ضرورياً إلى هذا الحدّ. الخارج مرآة الداخل. وما تتعلّق به اليوم يريك، إن نظرت بوعي، أين لم يكتمل بعدُ تعريفك لنفسك، وأين ما زلت تطلب من الخارج ما لم تمنحه لنفسك بعد.
سأتناول لاحقاً الأنماط التي تظهر في طريقة ارتباطنا بالآخرين، وكيف تتشكّل، بزاويةٍ مختلفة عمّا هو شائع. لكن قبل الأنماط، يبقى الجذر. والجذر دائماً سؤالٌ عن الداخل لا عن الخارج.
فما الفراغ الذي يحاول تعلّقك أن يملأه؟ وماذا لو نظرت إليه، لا لتهرب منه، بل لتفهم ما يقوله لك؟
