
لماذا نشعر بالفتور أمام الحبّ الهادئ؟
التقيت بشخصٍ لطيف. هادئ، صادق، يعاملك باحترام، ولا يجعلك تنتظر ردّه ساعات. كل ما طلبته يوماً، موجودٌ فيه.
ومع ذلك، لا تشعر بشيء.
ثم يظهر شخصٌ آخر، فيه شيءٌ غامض، ومزاجٌ متقلّب، وإحساسٌ دائم بأنك قد تخسره. فجأة، تستيقظ كل حواسك. تسمّي هذا شغفاً، وتسمّي الأوّل فتوراً.
لكن ماذا لو كان العكس تماماً؟
لماذا يبدو الأمان بارداً والقلق شغفاً؟
الجهاز العصبي يقرأ المألوف بيتاً، حتى لو كان المألوف موجعاً. فمن نشأ في بيئةٍ كان الحبّ فيها مقترناً بالقلق أو الترقّب أو عدم الثبات، يتعرّف جسده على القلق بوصفه علامة الحبّ. وحين يأتي الحبّ الهادئ، لا يجد الجسد الإشارة التي تعلّمها، فيقرأ الهدوء فراغاً.
لاحظ الكلمة: يقرأ. لا يقرّر، يقرأ. هذه ليست عملية واعية تتّخذها، بل استجابة قديمة تسبق التفكير. أنت لا تختار أن تنجذب لما يوجعك، جسدك يتعرّف عليه.
وهنا مفارقة قاسية: كلما كان الحبّ آمناً، بدا لك أقلّ. لأن الأمان لم يكن يوماً جزءاً من قاموسك المشاعري عن الحبّ.
هل هذا يعني أنني أحبّ الألم؟
لا. وهذه من أكثر النقاط التي يُساء فهمها.
أنت لا تحبّ الألم، ولا تبحث عنه. ما يحدث أن جزءاً منك يحاول أن يُنهي قصةً قديمة لم تكتمل، عبر تكرارها في وجهٍ جديد. كأنه يقول: هذه المرة سأنجح، هذه المرة سأجعله يبقى، هذه المرة سأكون كافياً.
ولهذا يبدو المضطرب جذّاباً: لأنه يمنحك فرصة إعادة المحاولة. أمّا الهادئ فلا يمنحك تلك الفرصة، لأنه ببساطة لا يعيد فتح الجرح.
أذكر سنواتٍ من حياتي كنت فيها أنجذب إلى ما فيه خطرٌ ومسايرةٌ ومشيٌ على قشر البيض، وأسمّي ذلك حباً. وفي الوقت نفسه، كانت هناك من تمنحني قبولاً هادئاً، فأضعها في خانة الصداقة وأسمّي ما أشعر به تجاهها فتوراً. سمّيت الخطر حباً، وسمّيت الأمان فتوراً، ولم أكن أدرك.
ماذا يقول العلم عن هذا النمط؟
تشير أبحاث نظرية التعلّق، التي أرسى أسسها جون بولبي وطوّرتها ماري أينسورث، إلى أن أنماط الارتباط المبكرة مع مقدّمي الرعاية تشكّل توقّعاتنا اللاواعية عن العلاقات في الرشد. من عاش تعلّقاً غير آمن يميل إلى أن يجد العلاقات الثابتة أقلّ إثارة، لأن نظامه المشاعري تكيّف مع عدم الثبات بوصفه الحالة الطبيعية.
هذا لا يعني أن مصيرك محكوم. يعني أن ما تظنّه ذوقاً شخصياً هو في جزءٍ منه برمجة قديمة، وكل برمجة قابلة لأن تُفهَم وتُعاد كتابتها.

كيف تبدأ تغيير هذا النمط؟
ابدأ بالملاحظة بلا حكم. في المرة القادمة التي تشعر فيها بالفتور أمام شخصٍ جيّد، توقّف واسأل: هل هو مملّ فعلاً، أم أنه ببساطة لا يوقظ فيّ القلق الذي اعتدته؟
ثم اسأل أعمق: متى شعرت أوّل مرة بأن الحبّ يأتي مع خوف؟ من علّمني ذلك، ومتى؟
ما الذي يساعدك على تمييز الأمان من الفتور؟
هناك فارقٌ يمكنك ملاحظته بالتجربة، لا بالتحليل وحده.
الفتور الحقيقي شعورٌ ثابت لا يتغيّر مهما اقتربت. لا فضول، ولا رغبة في المعرفة، ولا شيء يتحرّك فيك حتى بعد وقت. أمّا الأمان الذي يُقرأ خطأً على أنه فتور، فله علامة مختلفة: تشعر بالراحة في حضوره، وتشعر بالملل في غيابه. جسدك يهدأ معه، وعقلك يقول إن شيئاً ناقص.
هذا التناقض بين ما يشعر به الجسد وما يقوله العقل، هو أوضح إشارة على أنك أمام أمانٍ غير مألوف، لا أمام فتورٍ حقيقي.
علامة أخرى: لاحظ ماذا يحدث حين يبتعد قليلاً. إن استيقظ فيك اهتمامٌ مفاجئ لم تشعر به وهو قريب، فأنت لا تنجذب إليه، أنت تنجذب إلى القلق الذي أيقظه غيابه. وهذه معلومة ثمينة عنك أنت، لا عنه.
وأنا لا أطلب منك أن تجبر نفسك على مشاعر لا تشعر بها. أطلب فقط أن تعطي الأمان وقتاً كافياً ليصير مألوفاً. الجهاز العصبي يتعلّم ببطء، وما اعتاد القلق عشرين سنة، يحتاج وقتاً ليثق بالهدوء.
حين تبدأ ترى الخيط، يفقد النمط جزءاً من سلطته عليك. لن يتغيّر انجذابك بين ليلةٍ وأخرى، لكن اختيارك يبدأ يخرج من يد جرحك، ويعود إلى يدك أنت.
ما الشعور المألوف الذي تبحث عنه في كل علاقة، دون أن تدري؟
وهذا النمط وجهٌ من تكرار العلاقات، تناولت جذره الأشمل في مقال «لماذا أكرر نفس العلاقات المؤلمة؟». ولتفكيك هذا النمط من جذره، ماستر كلاس «لماذا نتزوج من أمهاتنا»، ولمن يريد العمل الكامل على الأنماط الموروثة، ورشة فك شيفرة الصدمات الموروثة.
