
ما الفرق بين وضع حدّ والهروب من العلاقة؟
قرّرت أخيراً أن تبتعد. أغلقت الباب، وشعرت براحةٍ لم تعرفها منذ شهور. قلت لنفسك: هذا نضج، هذه حدود صحية.
ثم مرّت أشهر، والتقيت بشخصٍ جديد في سياقٍ مختلف تماماً، وشعرت بالشعور نفسه بالضبط. نفس الضيق، نفس الاستفزاز، نفس الإحساس القديم. الوجوه تغيّرت، والشعور بقي.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل كنت تضع حدّاً، أم كنت تهرب؟
ما الفرق الجوهري بين الحدّ والهروب؟
وضع الحدّ قرارٌ واعٍ تتّخذه بعد أن تفهم ما يحدث فيك ولماذا، فتحمي نفسك من أذىً حقيقي. أمّا الهروب فابتعادٌ تتّخذه قبل الفهم، هرباً من شعورٍ لا تريد النظر إليه. الأوّل يحرّرك، والثاني يؤجّل اللقاء مع الجذر.
الفرق ليس في الفعل نفسه، فكلاهما ابتعاد. الفرق في ما يسبقه. حين تبتعد وأنت تفهم أيّ جرحٍ لُمس فيك، تكون قد أخذت الدرس ومضيت. وحين تبتعد وأنت تريد فقط أن يتوقّف الألم، تكون قد أخذت الألم معك، ووضعته في حقيبتك، لتفتحها أمام الوجه التالي.
وأنا لا أقول هذا من موقع النظرية. عشت سنواتٍ أبني جدراناً وأسمّيها حكمة، ثم اكتشفت أنني كنت أحمي جرحاً أخاف النظر إليه، لا أشفيه.
كيف تعرف أيّهما تفعل؟
هناك أسئلة تكشف لك الإجابة بصدق:
حين ابتعدت، هل شعرت بسلام أم بارتياحٍ مؤقّت يتبعه قلق؟ السلام يدوم، والارتياح المؤقّت يتبخّر ويعود القلق حين يظهر موقفٌ مشابه.
هل تستطيع أن تفكّر في ذلك الشخص دون أن يشتعل شيءٌ في صدرك؟ إن كان ذكره ما زال يوقظ الغضب أو الألم بعد شهور، فالجرح لم يُشفَ، فقط ابتعدت عن اليد التي كانت تضغط عليه.
وأصدق سؤال: هل تعرف بالضبط ما الذي كان يستفزّك فيه؟ لا سلوكه، بل الشعور الذي كان يوقظه فيك. إن لم تكن تعرف، فأنت لم تضع حدّاً، أنت أجّلت السؤال.
ماذا يقول العلم عن التكرار؟
وصف فرويد ما سمّاه «إكراه التكرار»، وهو ميل الإنسان اللاواعي إلى إعادة إنتاج المواقف والعلاقات التي تحمل الجرح نفسه، سعياً لإنهاء قصةٍ لم تكتمل. الابتعاد وحده لا يوقف هذا الميل، لأنه يعالج الظرف لا الدافع. ما يوقفه هو الوعي بالجرح الذي يقود الاختيار.
وهذا يفسّر لماذا يجد كثيرون أنفسهم يبتعدون مراراً، ثم يقعون في النمط ذاته مع أشخاصٍ جدد.

ومتى يكون الحدّ ضرورةً لا نقاش فيها؟
حين يوجد أذى جسدي. هنا لا مجال للتأمّل ولا للفهم المؤجَّل. السلامة أوّلاً، والعمل الداخلي يأتي بعد الأمان.
وهناك حالة ثانية تستحقّ الوضوح: حين تكون في علاقةٍ تستنزفك يومياً وأنت في منتصف عملٍ داخلي لم يكتمل بعد. هنا قد تحتاج مسافةً مؤقّتة، لا لتهرب، بل لتلتقط أنفاسك وتكمل العمل. الفرق أنك تعرف أنها مسافة مؤقّتة لغرضٍ محدّد، لا حلٌّ نهائي تسمّيه نضجاً.
كيف تحوّل الابتعاد إلى فهم؟
إن اكتشفت أنك كنت تهرب، فالخبر المطمئن أن الباب ما زال مفتوحاً. لا أعني باب العلاقة، بل باب الفهم.
ابدأ بأن تكتب الشعور الذي كان يوقظه فيك ذلك الشخص، بكلمةٍ واحدة إن استطعت. تجاهل، احتقار، عجز، خوف من الخسارة. الكلمة الواحدة أدقّ من الحكاية الطويلة، لأن الحكاية تشغلك بالتفاصيل والكلمة تصل إلى الجوهر.
ثم اسأل: أين عرفت هذا الشعور قبله؟ لا تبحث بجهد، دع الذاكرة تجيب. غالباً سيظهر مشهدٌ أقدم بكثير ممّا تتوقّع، وأصغر ممّا تخيّلت.
وحين تصل إلى المشهد الأوّل، ستفهم شيئاً مهمّاً: أن ذلك الشخص الذي ابتعدت عنه لم يكن يصنع الشعور، كان يوقظه فقط. وهذا يغيّر كل شيء، لأنه ينقل مركز القوّة من يده إلى يدك.
وأنا لا أقول إن عليك أن تعود لكل من ابتعدت عنه. أقول إن عليك أن تأخذ الدرس قبل أن تغلق الباب، وإلا حملت الجرح إلى الباب التالي.
لأن الحدّ الذي يوضع بعد الفهم يحرّرك. والحدّ الذي يوضع قبله، يؤجّلك.
لو نظرت إلى آخر مرة ابتعدت فيها عن أحد، هل كنت تحمي نفسك، أم تهرب من شعور؟
وإن أردت الصورة الأشمل لتكرار العلاقات وجذره، اقرأ مقال «لماذا أكرر نفس العلاقات المؤلمة؟». ولفهم ما ورثته من أنماط، ماستر كلاس «الإرث غير المرغوب به»، ولمن يريد العمل العميق على الجذر، ورشة فك شيفرة الصدمات الموروثة.
