بريد الداخل
← كل الأعداد
العدد #24 13 أكتوبر 2026

الطفل الذي وقف بينهما

الخلاف الذي يحمله طفل يبقى بلا من يحلّه، فيكبر معه أينما ذهب.

جملة أسمعها كثيراً، بصيغ تكاد تتطابق: «دوم أنا اللي في النص. أمي تكلمني عن أبوي، وأبوي يكلمني عن أمي.»

تقولها صاحبتها بنبرة من تعوّد. وأنا أسمع تحتها شيئاً آخر: تعباً قديماً جداً، أقدم من عمرها في العمل وأقدم من زواجها، تعب طفلة كانت تمشي في الممرّ بين غرفتين، تحمل كلاماً من هنا إلى هناك، وتعود بكلام من هناك إلى هنا.

بعض البيوت فيها خلاف بصوت عالٍ. وبعضها فيها خلاف صامت، يُقال بالأبواب والنظرات ووجبات العشاء الباردة. وفي الحالتين يحدث الشيء نفسه: الخلاف الذي لا يحتمله اثنان يبحث عن ثالث يحمل معهما. والثالث غالباً طفل.

الطفل يقف بينهما لأنه يظنّ أنه يحمي البيت. ينقل الرسائل ويلطّفها. يهدّئ هذا ويستأذن ذاك. يضحك في اللحظة التي يتوتّر فيها الجوّ، ويمرض أحياناً في الليلة التي يقترب فيها الشجار، فينشغل الاثنان به وينسيان ما كانا فيه. ولا أحد علّمه هذا. هو تعلّمه وحده، لأن الحبّ عنده في ذلك العمر له شكل واحد: أن يبقى البيت واقفاً.

وخلف هذا الوقوف جملة لم يقلها الطفل يوماً، يعيش بها كل يوم: «إن بقيت في المنتصف، يبقى البيت». وتحتها جملة أعمق: «إن اخترت أحدكما، خسرت الآخر». فيبقى في المنتصف. سنة بعد سنة، حاملاً خلافاً ليس خلافه، ولا يملك أن يحلّه.

وهنا الجملة التي أريدك أن تتوقّف عندها: الخلاف الذي يحمله طفل يبقى بلا من يحلّه. لأن الطفل لا يملك أدوات الحلّ، والحلّ عند صاحبيه وحدهما. فيبقى الخلاف معلّقاً في الهواء، ويكبر الطفل وهو يحمله في صدره، ويأخذه معه إلى كل مكان فيه اثنان مختلفان.

واسمع كيف يظهر هذا بعد عشرين سنة:

«في الدوام، أي خلاف بين اثنين يوصلني أنا، وأنا اللي أصلّح.»

«ما أرتاح إذا أحد زعلان من أحد، أحس لازم أسوي شي.»

هذا هو الوسيط وقد كبر. في العمل يصير مدير الأزمات الذي لم يعيّنه أحد، فكل خلاف بين زميلين يجد طريقه إلى مكتبه، وكل اجتماع متوتّر يتعبه أكثر من يوم عمل كامل. في الصداقات يصالح ويُستنزَف، ويخاف من المجموعة التي تنقسم. وفي المال قد يدفع ليبقى السلام، ويتحمّل كلفة خلاف غيره دون أن ينتبه أنها ليست كلفته.

والجسد يعرف هذا قبل العقل. يصف الطبيب النفسي بيسل فان دير كولك في كتابه «الجسد يحفظ النتيجة» سنة 2014 كيف يبقى الجسد الذي تعلّم مراقبة التوتّر حوله متأهّباً حتى وهو في أمان. ولهذا يعرف كثيرون ذلك الشدّ في المعدة قبل كل لقاء عائلي فيه طرفان، والصداع الذي يأتي بعد المناسبة لا أثناءها، حين ينتهي الواجب ويتذكّر الجسد أنه كان يحرس طوال الوقت.

ويختلف المسار قليلاً بين الأنثى والذكر. البنت غالباً تصير الوسيطة المشاعرية، تترجم مزاج والدها لوالدتها وتلطّف الكلام قبل أن يصل. وحين تتزوّج تجد نفسها تحمل خلافات عائلتين لا عائلة واحدة. والابن غالباً يصير الحاجز، الجسد الذي يقف بين اثنين، أو الذي يُستدعى ليحسم. وحين يكبر، إمّا يتجنّب أيّ خلاف كلّياً، أو يدخله بقوّة أكبر من حجمه بكثير.

وفي بيوتنا الخليجية يأخذ الدور مساحة أوسع من البيت الصغير. فالوسيط الذي تعلّم في غرفة والديه يصير لاحقاً وسيط العائلة الكبيرة كلّها: يصلح بين الخالة والعمّة، ويُرسَل ليلطّف خبراً قبل أن يصل إلى الجدّة، ويُحسَب عليه أيّ برود بين بيتين. والعائلة تمدحه وتحتاجه، وهو يعرف في داخله أن المديح لا يرفع عنه التعب. لأن ما يحمله ليس صلحاً واحداً، هو وظيفة دائمة لم يتقدّم إليها يوماً، وثبتت عليه لأنه كان الأقدر عليها وهو في السابعة.

وقد يغريك أن تسأل: من المذنب هنا؟ وأدعوك أن تترك هذا السؤال جانباً، لأنه يعيدك إلى المنتصف نفسه، تحكم بين اثنين من جديد. السؤال الذي يحرّرك أبسط: أين كان مكاني أنا؟

في ترتيب الحب كما وصفه بيرت هيلنغر، مؤسّس منهج الأنساق العائلية، لكل فرد في البيت مكانه. الوالدان معاً فوق، كبيران، بينهما ما بينهما من حبّ وخلاف وتاريخ. والطفل تحت، أمامهما، صغير، يأخذ منهما الحياة. وما بين الزوجين يخصّ الزوجين، حتى وهو يوجع، حتى وهو يملأ البيت بصوته.

والطفل الذي وقف بينهما لم يكن في مكان أعلى، كان في مكان آخر. والعودة إليه لا تحتاج أن تختار أحدهما، تحتاج أن تخرج من بينهما.

والخروج من المنتصف يقرّبك منهما. من يخرج من المنتصف يقدر أخيراً أن يحبّ الاثنين معاً، دون أن يشعر أنه يخون أحدهما كلّما اقترب من الآخر. الوسيط لا يقدر أن يحبّ بحرّية، لأنه مشغول بالحفاظ على التوازن. والطفل الذي عاد إلى مكانه يقدر أن يقول لكلّ منهما: أحبّك، ويعنيها كاملة.

ويتغيّر شيء في العمل أيضاً حين تخرج من المنتصف. يصل إليك الخلاف كما كان يصل، وتسمعه باهتمام، ثمّ تعيده إلى صاحبيه بسؤال بسيط: «جرّبتوا تتكلّمون مع بعض مباشرة؟» سؤال صغير، وفيه الحركة كلّها: أنت حاضر، وقريب، والخلاف لصاحبيه.

ويضيف الطبيب غابور ماتيه في كتابه «خرافة الطبيعي» سنة 2022 ما يشرح لماذا قبل الطفل هذا الدور من الأساس: حين يضطرّ الطفل للاختيار بين التعلّق والأصالة، يختار التعلّق. يحتاج أن يبقى البيت قائماً ليبقى هو آمناً، فيضع خوفه وغضبه وحاجته جانباً، ويقوم بالمهمّة. حملتَ خلافهما لأنك أحببتهما، ولأنك كنت تحتاجهما. والاثنان صادقان.

وأعرف أن بعض من يقرأ هذا ما زال والداه في خلاف حتى اليوم، وما زال الهاتف يرنّ، فيسمع الشكوى نفسها من الطرف نفسه. والخروج من المنتصف هنا يعني أن تبقى على الهاتف، وتسمع كابن، لا كقاضٍ ولا كوسيط. أن تقول بلطف: هذا بينك وبين والدي، وأنا أحبّكما الاثنين. وأن تترك الخلاف لصاحبيه، لأنهما وحدهما يقدران عليه.

إن خرجت اليوم من بينهما، ماذا سيبقى في يديك؟

اسأل نفسك

"

في أيّ غرفة من حياتك اليوم ما زلت تقف في المنتصف؟

تمرين هذا الأسبوع

دائرتان ونقطة

تحتاج ورقتين وقلماً وعشر دقائق في مكان هادئ.

  1. ارسم على الورقة الأولى دائرتين متجاورتين: واحدة لوالدتك وواحدة لوالدك.
  2. ضع نقطة لنفسك حيث كنت تقف بينهما في طفولتك. لاحظ مكانها: في الوسط؟ ملاصقة لأحدهما؟ فوقهما؟
  3. ارسم على الورقة الثانية الدائرتين نفسيهما، وضع نقطتك هذه المرّة أمامهما معاً، أسفل منهما، على مسافة.
  4. انظر إلى الورقة الثانية، وقل في داخلك: «ما بينكما لكما. وأنا طفلكما، وأحبّكما الاثنين.» ومن احتاج مسافة، يضع دائرة والده أو والدته أبعد على الورقة، ويقول الجملة لمن يقدر أن يقولها له اليوم.
  5. لاحظ ماذا يحدث في جسدك وأنت تقولها.
  6. وخلال الأسبوع: حين تجد نفسك منجذباً إلى خلاف بين اثنين، خذ نفساً بطيئاً، وذكّر نفسك: «هذا لصاحبيه.» واتركه لهما بلطف.

هذا التمرين لك وحدك، على مهلك. ضع والديك على المسافة التي تقدر عليها اليوم، وقل من الجمل ما تجده صادقاً فيك، واكتفِ بالنظر حين تحتاج. وإن حضر شعور قويّ، توقّف عنده، وتنفّس، وعُد إليه في يوم آخر.

صدى من تجربة سابقة

"

ما الذي تريد أن يقوله لك والدك؟ ماذا تريد أن تقول لك والدتك؟ انهارت الحجب، وظهر لي كما لو أنه جزء كامل من فلم حياتي كان محذوفاً.

ـ طالب ح.

من المدوّنة

مقال يفتح الباب أوسع

هل يعوّض الجدّ أو العمّ مكان الأب؟

حين يملأ أحد الكبار مكان الوالد في البيت، يبقى شيء لا يُملأ. مقال عن الامتنان والفراغ حين يجتمعان في القلب نفسه.

اقرأ المقال كاملاً ←

ما بين والديك لهما، وأنت طفلهما الذي يحبّهما الاثنين.

انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم

توقيع مهنّد مروان مزيّك

ـ مهنَّد