بريد الداخل
← كل الأعداد
العدد #21 22 سبتمبر 2026

أعطاك كل ما كان عنده

الجرح ليس أنّه منع، بل أنّه لم يكن عنده.

مرّت عليّ لحظة لا أعرف لها اسماً حتى اليوم. كنت أنظر إلى من آذاني، وفجأة لم أعد أرى الشخص الذي عرفته. رأيت شخصاً صغيراً، يحمل شيئاً ثقيلاً، ولا يملك اسماً لما يحمله. لم أسامحه في تلك اللحظة، ولم أقرّر شيئاً. فقط رأيت. وما تغيّر لم يكن رأيي فيه، تغيّر شيء في صدري أنا.

وهذا العدد عن تلك اللحظة تحديداً، وعن السؤال الذي يفتحها.

الحكاية المتداولة في عالم التطوير والعلاج تقول: أبوك حجب عنك الثقة، فسامحه أو ابتعد عنه. خياران لا ثالث لهما، وكلاهما يفترض أنّه كان يملك شيئاً وقرّر أن يمنعه.

وأنا أقول شيئاً آخر.

أعطاك بالضبط قدر ما كان عنده. لا أقلّ، ولا أكثر، لأنّ الأكثر لم يكن موجوداً أصلاً.

من لم يُوثَق به لا يقدر أن يصنع ثقة من العدم. ومن لم يُقَل له في يوم إنّه يكفي، لا يعرف صوت هذه الجملة ولا نبرتها ولا متى تُقال. هو لا يبخل بها عليك، هو لا يملكها. والفرق بين البخل والفقد هائل، لأنّ البخل يستدعي عتاباً، والفقد يستدعي فهماً.

انظر إلى من طالبك بالإثبات. من كان يطالبه هو؟

في أغلب بيوتنا، إن رجعت خطوة واحدة إلى الوراء، تجد الصورة نفسها بوجه أقدم. أب يقيس ابنه بما ينتجه، لأنّ أباه قاسه بما ينتجه. جيل خرج من حرب أو من فقر أو من هجرة، وتعلّم أنّ المشاعر ترف وأنّ قيمة الذكر في إعالته، وأنّ من يتوقّف ليشرح ما يشعر به يتأخّر عن اللحاق. هؤلاء لم يكونوا قساة بالمعنى الذي نفهمه اليوم، كانوا يشتغلون بالأدوات الوحيدة التي سُلّمت لهم.

وترى هذا في تفصيل صغير يتكرّر في بيوت كثيرة. أب يشتغل وظيفتين، ويظنّ أنّه بهذا يقول لأبنائه إنّه يحبّهم، لأنّ اللغة الوحيدة التي تعلّمها للحبّ هي الإعالة. فإذا طلب منه ابنه أن يجلس معه ساعة، يشعر بالاتّهام لا بالطلب، ويردّ بجملة يعرفها الجميع: أنا شو ناقصكم؟ وهو صادق في سؤاله. بلغته هو، لم يكن ينقصهم شيء فعلاً.

والميزان الذي قاسك به، قاسه أحدهم به أوّلاً. هو لم يخترعه، ورثه، ثمّ سلّمه لك كما تُسلَّم الأمانة، من غير أن يعرف أنّها ثقيلة.

وهنا يظهر اعتراض له وجاهة: بس هو كان يقدر. كان يقدر يقولها ولو مرّة. وأنا أوافقك جزئياً، وأضيف تفصيلاً يغيّر الصورة. القدرة عند الإنسان ليست كتلة واحدة. الشخص نفسه قد يكون كريماً بالمال وفقيراً بالكلمة، حاضراً في الأزمات وغائباً في التفاصيل، شجاعاً أمام الغرباء وعاجزاً أمام دمعة ابنته. فحين تقول إنّه كان يقدر، أنت تقيس قدرته في باب على غيابها في باب آخر. والأبواب مستقلّة، ولكل باب مفتاح يُورَّث وحده.

والآن أقف عند شعرة أريدك أن تراها معي، لأنّها الفرق بين تحرّر وخدعة.

أن تفهم أنّه أعطى ما عنده، شيء. وأن تعذره لأنّه مسكين، شيء آخر تماماً.

الأولى تنظر إلى الحقيقة كاملة: أثره فيك حقيقي، وفقره الداخلي حقيقي، والاثنان يصحّان معاً ولا يلغي أحدهما الآخر. والثانية تمسح نصف الحقيقة، تأخذ جرحك وتضعه جانباً وتقول لك: خلاص، ما ذنبه. ومن يفعل هذا يخرج من الغرفة أخفّ بساعة وأثقل بسنة، لأنّ ما لم يُعترف به لا يُشفى.

أنا لا أطلب منك أن تعذر أحداً. أطلب منك أن ترى، والرؤية أصعب من العذر بكثير، لأنّها لا تعطيك راحة سريعة.

ولماذا الفهم تحديداً هو الذي يحرّر؟

لأنّك ما دمت تراه متّهماً، تبقى أنت المدّعي. والمدّعي لا يقدر أن يغادر قاعة المحكمة، لأنّ قضيته لم تُغلق بعد. تظلّ تجمع الأدلّة، وتراجع المرافعة في رأسك قبل النوم، وتنتظر جلسة يعترف فيها بما فعل، فتُردّ إليك الكرامة التي تأخّرت. وهذه الجلسة، في أغلب الحالات، لا تنعقد. إمّا لأنّه لا يذكر، أو لا يفهم لغتك، أو رحل.

فتبقى في القاعة وحدك. وتصير الحياة كلّها انتظار حكم لا يصدر.

والفهم يفعل شيئاً واحداً: يغلق القضية بلا حكم. لا يبرّئ ولا يدين، يخرجك من القاعة.

وحين تخرج، يحدث الشيء الذي يصفه كثيرون بجملة واحدة: صرت أشوفه صغير.

وأغلبهم يقولها بدهشة، لأنّها جاءت بلا قرار. لم يجلسوا ليقرّروا أن يروه صغيراً، ولم يمارسوا تمريناً ليصلوا إليها. حدثت وهم يشربون قهوتهم، أو وهم ينظرون إلى صورة قديمة، أو في يوم بلغوا فيه العمر الذي كان فيه حين وُلدوا. الرؤية تأتي حين يتوقّف الدفاع، والدفاع يتوقّف حين تكفّ عن الترافع.

ليس صغيراً بمعنى حقير، بل صغيراً بحجمه الحقيقي. إنسان له عمره وطاقته وطفولة لم يخترها. وفي اللحظة التي يصغر فيها إلى حجمه، يصغر معه المعيار الذي كان يقيسك به، لأنّ المعيار لم يكن حقيقة عن قيمتك، كان أقصى ما استطاع أن يراه بعينه هو.

ويظهر هذا في الجسد قبل أن يظهر في الكلام. يرتخي شيء في الفكّ. يهبط النفَس درجة إلى أسفل الصدر. تسمع اسمه في مكالمة عائلية فلا يقفز شيء في معدتك كما كان يقفز.

ولن أطلب منك مكالمة، ولا زيارة، ولا جلسة مصالحة. هذا العمل يحدث بينك وبين نفسك أوّلاً، وقد لا يعرف هو به أبداً، وقد يكون رحل عن الدنيا وما زال العمل ممكناً. الفهم لا يحتاج حضور الطرف الآخر، يحتاج حضورك أنت.

وأنا لم أنتهِ من هذا. ما زالت تمرّ عليّ مواقف يقفز فيها شيء قديم قبل أن أنتبه. الفرق الوحيد أنّني صرت أعرف ما أفعله حين يقفز، فلا أهرب منه ولا أرميه على من أمامي.

والفهم لا يأتي دفعة واحدة، يأتي طبقات. تفهم اليوم شيئاً فترتاح أسبوعاً، ثمّ يمرّ موقف يفتح طبقة لم تكن ظاهرة، فتظنّ أنّك رجعت إلى الصفر. وأنت لم ترجع، أنت نزلت درجة. والنزول يشبه الرجوع في الشعور ويختلف عنه في الاتّجاه.

ثمّ يبقى سؤال واحد:

ماذا كان ينقص أباك حين كنت تنتظر منه؟

اسأل نفسك

"

ما الشيء الذي لم يحصل عليه هو، ثمّ طلبه منك؟

تمرين هذا الأسبوع

خمسة أسطر عن إنسان

اختر ورقة، واكتب خمسة أسطر عنه لا عن علاقتك به. ليست مهمّتها أن تعذر، مهمّتها أن ترى.

  1. كم كان عمره حين وُلدتَ أنت، وأين كان يعيش وقتها؟
  2. ماذا كان يحمل في تلك السنوات: عملاً، ديناً، مرضاً، غربة، عائلة تعتمد عليه؟
  3. من كان الشخص الذي يتمنّى رضاه هو؟
  4. ما الشيء الذي لم يحصل عليه في طفولته وتعرفه أنت اليوم؟
  5. ما الشيء الذي أعطاك إيّاه فعلاً، بلغته لا بلغتك؟

اقرأ الأسطر الخمسة مرّة واحدة ثمّ اترك الورقة. لا تناقشها ولا تحكم عليها. أغلب من يفعل هذا يجد أنّ شيئاً في الصدر يتحرّك في اليوم التالي لا في اللحظة نفسها.

صدى من تجربة سابقة

"

شعرت بأن أبي هو أيضاً مرّ بتجربة طفولة صعبة، ورغم ذلك كان يحاول أن يكون أباً صالحاً يؤدّي مسؤوليته.

ـ فضيلة

حين يعود إلى حجمه الحقيقي، يعود المعيار إلى حجمه معه.

انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم

توقيع مهنّد مروان مزيّك

ـ مهنَّد