الرؤية لا تُقرَّر، تحدث حين يتغيّر موقعك.
قالت لي جملة أوقفتني: ما بدّي أسامحه، بدّي أفهم.
قالتها معتذرة، وكأنّها تعترف بتقصير. وأنا سمعت فيها نضجاً أكبر من أغلب ما يُكتب في هذا الباب.
لأنّ المسامحة، كما تُباع لنا، تحتاج ارتفاعاً. أن تسامح يعني أن تقف في مكان أعلى، وتنظر إلى الأسفل، وتصدر قراراً بالعفو. وهذا الوضع مريح دقيقتين ومتعب سنوات، لأنّه يبقيك واقفاً. من يقف في الأعلى لا يجلس، ومن لا يجلس لا يرتاح.
ثمّ يحدث ما يعرفه كل من جرّب. تقرّر أن تسامح، فتشعر بخفّة أياماً. ثمّ تمرّ ذكرى في يوم عادي، فيرجع الغضب كما كان. فتقول لنفسك: يبدو أنّني لم أسامح فعلاً، وأنا شخص ضعيف. وتعيد القرار من جديد. وهكذا تصير المسامحة اشتراكاً شهرياً تجدّده بلا نهاية، لأنّ ما بُني على قرار يحتاج قراراً جديداً كل مرّة.
والرؤية شيء آخر تماماً. الرؤية لا تُقرَّر، تحدث. ولا تحتاج ارتفاعاً، تحتاج تغيير موقع.
خذ القمر مثالاً. نحن نراه من الأرض منذ آلاف السنين ولا نرى منه إلا وجهاً واحداً. له وجه آخر، بتضاريس مختلفة تماماً، لم تره عين بشرية إلا حين خرج الإنسان من مداره ودار حوله. والسبب ليس أنّ القمر يخفي شيئاً، السبب أنّ موقعنا ثابت. الوجه البعيد لم يره أحد حتى سنة 1959، حين دارت مركبة حوله وصوّرته. لم يتغيّر القمر في تلك السنة، تغيّر مكان العين.
وهكذا رأيت أباك.
رأيته من موقع واحد لم يتغيّر: موقع الابن أو الابنة. ومن هذا الموقع ظهر لك وجه واحد، هو الوجه الذي كان يديره نحوك. والوجه الآخر كان موجوداً طوال الوقت وأنت لم تكن في مكان يسمح برؤيته.
فكّر في هذا للحظة. كان ابناً لأحد، وكان يخاف من أبيه أو يشتاق إليه. كان زوجاً، وله في تلك العلاقة ضعف لم يعرضه عليك. كان موظفاً يُهان أحياناً في مكان لا تراه، ثمّ يعود إلى البيت حاملاً ما لا يعرف أين يضعه. كان له أصدقاء يعرفون ضحكته التي لم تسمعها، وربّما كان له خوف واحد كبير عاش معه ولم يقله لأحد.
كل هذا كان يجري خلف الوجه الذي رأيته. لا لأنّه خدعك، بل لأنّ الأبناء لا يُدعَون إلى هذه الغرف.
وهنا التفصيل الذي أراه الأثقل في هذا الباب كلّه. الملفّ الذي تحمله عنه اليوم لم تكتبه أنت البالغ. كتبه طفل في السابعة أو العاشرة، بأدواته وقتها، من زاوية نظره وقتها. والطفل يقيس بمكبّرة: الصوت العالي زلزال، والانشغال رفض، والصمت حكم. ذلك الطفل جمع الأدلّة وكتب الخلاصة وأغلق الملفّ.
ثمّ كبرت أنت، وتعلّمت وقرأت وعشت، ولم تعد تفكّر بتلك الطريقة في أي شأن آخر من شؤون حياتك. وحدها هذه الصفحة بقيت كما كُتبت، ولا تزال ترجع إليها كلّما احتجت رأياً في نفسك.
الرؤية ببساطة أن تفتح الملفّ بعينك الحالية. لا لتشطب ما فيه، بل لتقرأه مرّة واحدة بعقل من عاش وجرّب، ويعرف اليوم أنّ الناس يفعلون أشياء كثيرة لأسباب لا علاقة لها بمن أمامهم. الطفل لا يملك هذه المعرفة، وأنت تستعملها كل يوم مع زملائك وأصدقائك، وحدها هذه الصفحة استُثنيت منها.
وحين يحدث هذا، يسقط المعيار وحده، بلا معركة ولا مواجهة. لأنّك تكتشف أنّ المعيار الذي قاسك به لم يكن حكماً في قيمتك، كان مسطرته هو، وقد وصلته من يد أخرى قبل أن تولد. وأنت أخذت رقماً من مسطرة ليست مسطرتك أصلاً، وبنيت عليه صورة نفسك أربعين سنة.
وأغلب من يمرّ بهذه اللحظة يصفها بجملة واحدة: شفته مرة وحدة بشكل تاني، وتغيّر شي.
لاحظ أنّها لحظة واحدة لا برنامج. ولاحظ أنّ الذي تغيّر ليس هو، بل شيء في الداخل. لا أحد يتّصل بأبيه بعدها بالضرورة، ولا أحد يعقد جلسة مصالحة. يستيقظون في اليوم التالي فيجدون أنّ اسمه لم يعد يشدّ شيئاً في المعدة، وأنّ صوته في الهاتف صار صوت إنسان لا صوت محكمة.
وقد تسأل: إن كانت بهذه البساطة، فلماذا نقاومها؟ والجواب أنّ الرؤية تبدو في أوّلها كأنّها خسارة. كأنّك إن رأيته إنساناً، صار وجعك أصغر ممّا كان، وصارت السنوات التي حملتها بلا سبب كافٍ. ولذلك يتشبّث كثيرون بالصورة القديمة، لا حبّاً فيها، بل لأنّها الشاهد الوحيد على أنّ شيئاً حدث فعلاً. والحقيقة أنّ وجعك لا يحتاج إدانته ليكون صحيحاً. أنت تملك دليلك في جسدك وفي سنواتك، ولا تحتاج توقيع أحد عليه.
وأريد أن أقول ما ليست عليه الرؤية، حتى لا يلتبس شيء.
الرؤية ليست موافقة على ما حدث. ما آلمك آلمك، ويبقى صحيحاً بعد أن ترى كما كان صحيحاً قبلها. وليست دعوة إلى علاقة، فقد تراه وتبقى المسافة بينكما كما هي وهذا خيارك أنت. وليست مشروطة بوجوده، فمن رحل أبوه يقدر أن يراه، لأنّ العمل يجري في داخلك لا في غرفة بينكما.
والرؤية لا تحتاج إذنه، ولا تحتاج اعترافه، ولا تحتاج أن يتغيّر هو ولو قيد شعرة. وهذا بالضبط ما يجعلها ممكنة، ومريحة، وبيدك وحدك.
وثمّة علامة صغيرة تعرف بها أنّ شيئاً تحرّك. أن تقدر أن تصفه لشخص غريب في ثلاث جمل، من غير أن ترتفع نبرتك ومن غير أن تدافع عنه. لا اتّهام ولا ترافع، وصف إنسان. من يقدر على هذه الجمل الثلاث يكون قد وقف في الموقع الآخر ولو دقيقة.
وأنا لست في نهاية هذا الطريق. تمرّ عليّ أيام أرجع فيها إلى الوجه القديم بلا مقدّمات، فأنتبه بعد ساعة أنّني أنظر من الموقع القديم. والفرق الوحيد أنّني صرت أعرف أنّ لي موقعاً آخر أقدر أن أقف فيه، وأنّ الوقوف فيه يحتاج لحظة انتباه لا سنوات علاج.
ثمّ يبقى سؤال واحد:
لو رأيته اليوم كإنسان لا كأب، ماذا كنت سترى؟
اسأل نفسك
من رآه غيرك، وماذا كان يرى؟
تمرين هذا الأسبوع
استعِد ثلاثة مشاهد رأيته فيها وهو ليس في دوره معك. مع أمّه، مع صديق، مع مديره، أو وحده يظنّ أنّ لا أحد ينظر.
إن لم تجد ثلاثة مشاهد، فهذه نتيجة التمرين لا فشله. أن تعرف شخصاً في دوره وحده يعني أنّ ما تحمله عنه ليس صورة كاملة، وهذه معرفة تستحقّ أن تُكتب هي أيضاً.
صدى من تجربة سابقة
أنّ مشاعري تجاههم هي مشاعرهم هم تجاه بعضهم.
ـ جود
لا يتغيّر ما رأيته، يتغيّر المكان الذي تنظر منه.
انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم
ـ مهنَّد