بريد الداخل
← كل الأعداد
العدد #20 15 سبتمبر 2026

موقعان في البيت، أحدهما لا يُملأ

أحدهما يُملأ ناقصاً، والآخر يبقى على حاله.

سمعت هذه الجملة عشرات المرّات، وفي كل مرّة بلهجة مختلفة: كان موجود، بس ما كان موجود.

وأوّل من ينتبه إلى التناقض هو من يقولها. الشخص كان في البيت فعلاً. يدفع، ويسأل عن الدرجات، ويحضر المناسبات، ويصرّ أن نجلس كلّنا على المائدة. ومع ذلك بقي في الداخل مكان لم يمتلئ. هذا التناقض ليس خللاً في الذاكرة، هو وصف دقيق لشيء لا يملك اسماً في لغتنا اليومية.

في كل بيت مواقع، لا أشخاص فقط. والموقع شيء مختلف عن ساكنه. الموقع وظيفة، والشخص من يقف فيها بقدر ما يستطيع.

وهناك موقع واحد وظيفته أن يقول لك جملتين لا ثالث لهما: أنت تكفي، واخرج إلى العالم. الأوّل حكم على قيمتك، والثاني إذن بالحركة. الموقع الأوّل في البيت يمنحك حقّ الوجود، وهذا الموقع يمنحك حقّ الظهور. أن توجد شيء، وأن تظهر شيء آخر.

وهنا التفصيل الذي يغيّر الصورة كلّها. هذا ليس موقعاً واحداً، هو موقعان.

الأوّل بيولوجي. لا يُملأ. من رحل والده مبكراً، أو كان قاسياً، أو كان حاضراً بجسده وغائباً بمشاعره، يبقى في داخله إحساس بالفقد مهما جاء بعده أحد. ليس لأنّه جاحد ولا لأنّه رفض من أحسن إليه، بل لأنّ هذا الموقع من نوع لا يقبل البديل.

والثاني وظيفي. يُملأ، لكن ناقصاً. الجدّ الذي ربّاك، العمّ الذي وقف معك، الأخ الأكبر الذي ترك دراسته ليعمل، الأمّ التي حملت الموقعين وحدها. هؤلاء يسدّون الوظيفة فعلاً، ويسدّونها أحياناً بحبّ أكبر ممّا كان سيُعطى أصلاً. ومع ذلك يبقى في الأصل شيء لم يُسدّ.

وأثقل ما في الموقع الوظيفي أنّه يورّث ذنباً صامتاً. من ربّاه جدّه بحبّ يجد نفسه لا يقدر أن يقول إنّه يشعر بنقص، لأنّ قول ذلك يبدو كأنّه نكران لجميل من أعطاه كل ما عنده. فيكتم الإحساس ويلوم نفسه عليه، ويضيف إلى الفراغ الأصلي طبقة ثانية من الصمت. والحقيقة أنّ الاثنين يصحّان معاً: الجدّ أعطى بصدق، والفراغ بقي بصدق، ولا أحد منهما يلغي الآخر.

يقال أحياناً إنّ هذا موقع لا شخص، وهي عبارة مريحة وغير دقيقة، لأنّها تمحو الفقد وتطلب منك أن تتجاوزه بجملة. الأدقّ أنّهما موقعان، أحدهما يُملأ ناقصاً، والآخر يبقى على حاله. والفجوة بينهما ليست عيباً فيك، هي بنية.

وفي هذه الفجوة بالضبط يسكن الإثبات.

لأنّك تظلّ تثبت لموقع لا يقدر أن يجيبك. تشبه من يكتب رسالة ويرسلها إلى عنوان توقّف عن الاستقبال. ولمّا لا يصل الردّ، يفترض أنّ الخلل في الرسالة. فيكتبها أطول، وأدقّ، وبإنجاز أكبر، ويرسل مرّة أخرى. سنوات كاملة تمرّ في تحسين الرسالة، والعنوان هو العنوان.

وشكل هذه الرسائل في اليوم العادي بسيط جداً. تقرير ترسله الحادية عشرة ليلاً ثمّ تفتحه بعد ربع ساعة لتقرأه بعين من سيقرأه. جملة شكر تصلك فتردّ عليها بتقليل ما فعلت. ترقية تأتي فتشعر أنّها وصلت متأخّرة أو أنّها ستُكتشف. كلّها رسائل مكتوبة بعناية، وكلّها ذاهبة إلى العنوان نفسه.

والأثر لا يبقى في البيت. هذا الموقع تحديداً يعطيك المعيار الذي ترى به نفسك في عيون الآخرين. فإن كان الجالس فيه لا يثق بك، تفترض بلا وعي أنّ الآخرين لا يثقون بك، وتتصرّف على هذا الأساس.

ولهذا تجد من لا يشتكي من عائلته إطلاقاً يشتكي من مديره بالجملة نفسها: مهما قدّمت لا يقتنع. الشكوى تظهر في المدير والزوجة والزميل، والمعيار جاء من مكان آخر تماماً.

وثمّة حالة تحدث كثيراً في بيوتنا ولا تُسمّى. أن تجد الأنثى الموقع شاغراً، فتقف فيه هي. تصير من يقرّر، ومن يحلّ، ومن يُطمئن الجميع، ومن لا يبكي أمام أحد. ترتفع طاقتها الذكورية لا لأنّها هكذا طُبعت، بل لأنّ مكاناً في البيت بقي فارغاً ووقفت هي فيه وهي صغيرة.

ثمّ يأتي من يمدحها ويقول: ما أقواك. والمدح هنا يغلق الباب بدل أن يفتحه، لأنّه يحوّل الحمل إلى صفة، والصفة لا يُسأل عنها أحد. والحقيقة أبسط وأثقل: حملت وظيفة لم تكن وظيفتها، والتعب الذي فيها ليس ضعفاً، هو أجرة موقع عملت فيه بلا عقد.

وعند الذكر تأخذ الحكاية شكلاً آخر. يأخذ من الموقع معيار كفايته بين الذكور، ثمّ يعيد إنتاج المعيار طول عمره بطريقتين: إمّا منافسة لا تهدأ، حيث كل غرفة يدخلها ميدان وكل ذكر فيها مقياس، وإمّا انسحاب كامل من الميدان قبل أن يُقاس فيه.

وأريد أن أكون واضحاً في نقطة واحدة. ما أصفه هنا آلية لا سيرة. لن أطلب منك أن تحكي عن أحد، ولا أن تصنّف أحداً، ولا أن تضع اسماً في خانة. الوصف كلّه للموقع وكيف يعمل، لأنّ الأشخاص يختلفون كثيراً بينما الآلية واحدة تقريباً في كل بيت.

وأنا وقفت في موقع مبكراً. صرت من يُسأل ومن يرتّب ومن يُطمئن قبل أن يكتمل نموّي. ولسنوات ظننت أنّ هذا نضج مبكر، وكنت فخوراً به. أخذني وقت طويل حتى انتبهت أنّ ما سمّيته نضجاً كان وقوفاً في مكان لم يكن مكاني، وأنّ من يقف في موقع ليس له يتقن الوظيفة ويبقى جائعاً إلى من يقول له إنّه يكفي.

والذي يتغيّر حين تعرف هذا لا يظهر مرّة واحدة. أوّل ما يتغيّر أنّك تتوقّف عن تحسين الرسالة، وتبدأ بالنظر إلى العنوان. وحين ترى العنوان بوضوح، يخفّ الإلحاح في صوتك، ويقلّ عدد المرّات التي تختبر فيها الناس من حولك ليقولوا لك ما لم يُقَل في وقته.

ولا يعني هذا أنّ الموقع يبقى فارغاً إلى الأبد. يعني أنّ من يملؤه ليس هو من تركه فارغاً. الإذن الذي انتظرته من الخارج سنوات، يصير في مرحلة ما شيئاً تعطيه لنفسك، لا لأنّك استغنيت عن الناس، بل لأنّك عرفت أخيراً أنّ التوقيع الذي تنتظره لا يملكه أحد سواك.

ثمّ يبقى سؤال واحد:

من كان يقول لك إنّك تكفي؟ وهل صدّقته؟

اسأل نفسك

"

حين وصلك آخر تقدير، أين ذهب انتباهك أوّلاً: إلى ما قيل، أم إلى من لم يقله؟

تمرين هذا الأسبوع

عنوان واحد

استعِد ثلاث لحظات انتظرت فيها كلمة من أحد، من أي وقت في حياتك، ولا تشترط أن تكون كبيرة.

  1. اكتب اللحظة في سطر واحد: ماذا كنت تفعل، وما الكلمة التي كنت تتمنّى سماعها؟
  2. اكتب بجانبها من كنت تتمنّى أن يقولها. اسماً أو صفة، كما يحضر.
  3. ضع الأسطر الثلاثة أمامك واقرأ العمود الثاني وحده.

أغلب من يفعل هذا يجد أنّ الأسماء الثلاثة، رغم اختلافها، من نوع واحد. عمر أكبر، أو موقع أعلى، أو حضور يشبه حضوراً قديماً. والنوع هو العنوان.

صدى من تجربة سابقة

"

أنني كنت مرتبطة بأبي جداً لدرجة أنني كنت أقلّده في تحمّل المسؤولية.

ـ سحر

الإذن الذي انتظرته من الخارج، توقيعه كان معك طوال الوقت.

انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم

توقيع مهنّد مروان مزيّك

ـ مهنَّد