تعمل جيداً، ثمّ ترتاح ساعة، ثمّ يبدأ العدّ من جديد.
في آخر يوم من ورشة استمرّت خمسة أيام، وقف الحضور يصفّقون. رجعت إلى غرفتي، أغلقت الباب، وجلست على طرف السرير. لم أشعر بفرح ولا بفخر. شعرت بشيء واحد فقط: طيّب، وبعدين؟
ظننت يومها أنّني متعب من الوقوف والكلام. نمت اثنتي عشرة ساعة، وقمت بالشعور نفسه. عندها بدأت أفهم أنّ ما أحمله شيء آخر.
هناك تعب له قاع. تصل إليه في المساء، تنام، فيذوب في الصباح. وهناك تعب يأتي في توقيت غريب: بعد الإنجاز لا قبله. تنهي العمل الذي أتقنته، ترتاح ساعة، ثم يعود القلق ويبدأ العدّ من جديد.
وكأنّ ما أنجزته لم يُودَع في حسابك، بل دفع إيجار شهر واحد عن مكان تسكنه ولا تملكه.
وهذا هو الفرق كلّه. من يعمل من مكان الكفاية يجمع، فيبقى ما جمعه. ومن يعمل من مكان الانتظار يدفع، والإيجار يُستحقّ كل شهر مهما دفعت قبله.
وهذا يفسّر شيئاً يربك كثيرين: أنّ الهدف يتحرّك. تصل إلى ما تعبت لأجله سنتين، وفي اليوم التالي يصير عادياً، ويصير الهدف الحقيقي هو الذي بعده. يقال لك إنّ هذا طموح صحّي، وأنت في داخلك تعرف الفرق بين من يصعد لأنّه يحبّ الصعود، ومن يصعد لأنّه يخاف أن يقف.
ولهذا يمرّ المديح من فوقك ولا يدخل، بينما تبقى ملاحظة عابرة في صدرك ثلاثة أيام. المديح يقول لك: أحسنت هذه المرّة. وأنت تسأل عن شيء أوسع من هذه المرّة. تسأل: هل أنا كافٍ أصلاً؟ والجواب على هذا السؤال يسكن في مكان آخر، فيعود السؤال في اليوم التالي بلباس مهمّة جديدة.
جرّب هذا الاختبار الصغير. اكتب على ورقة كل ما أنجزته في السنوات الخمس الماضية. ستكتب قائمة محترمة. ثمّ اقرأها. أغلب من يفعل هذا يقول الجملة نفسها: كويس، بس هذا شي عادي، أي أحد يقدر يسويه. لاحظ ماذا حدث. القائمة أمامك، والدليل مكتوب بخطّ يدك، ومع ذلك لم يصل. ليس لأنّك متواضع، بل لأنّ الميزان الذي تزن به موضوع في مكان لا تصله الأوراق.
الأبحاث تصف هذا بدقّة. الباحثة جينيفر كروكر ولورا بارك من جامعة ميشيغان نشرتا سنة 2004 في مجلة Psychological Bulletin دراسة عنوانها «الكلفة الباهظة للسعي وراء تقدير الذات». وخلاصتها أنّ المهمّ ليس مستوى تقديرك لنفسك، بل الطريقة التي تسعى بها إليه. فحين تضع قيمتك رهينة ميدان بعينه، عملك أو صورتك أو دورك في بيتك، يتحوّل كل موقف في ذلك الميدان إلى امتحان تثبت فيه أنّك تستحقّ. والراحة التي تجدها بعد كل نجاح قصيرة، وكلفتها على تركيزك وعلاقاتك وجسدك تمتدّ سنوات.
وقبلها بثلاث سنوات وضعت كروكر مع كوني وولف إطاراً سمّياه «مشروطيات قيمة الذات»، وخلاصته أنّ كلّ إنسان يعلّق تقديره لنفسه على ميادين بعينها، وأنّ الناس يختلفون في الميدان لا في أصل التعليق. فمن علّق قيمته على أدائه يعيش كل يوم عمل كأنّه يوم نتائج، ومن علّقها على رضا من حوله يقرأ صمت أيّ شخص عنه حكماً صدر بحقّه.
ومن هنا يأتي التناقض الذي يلاحظه من حولك. أنت الشخص الذي يعتمدون عليه، وأنت الشخص الأقلّ رضاً عن نفسه في الغرفة. يظنّون أنّك متواضع أو دقيق، والحقيقة أنّ عينك مدرّبة على ما ينقص لا على ما تمّ. عين تفحص لا عين ترى.
انظر إلى هذا في يومك. الموظّف الذي يصير مرجع القسم، ثمّ يصير مرجع البيت، ثمّ يستيقظ ليلاً يراجع رسالة أرسلها الساعة الرابعة. الأنثى التي صارت كتف العائلة كلّها، تحمل تفاصيل الجميع وتُسأل عن رأيها في كل قرار، وحين تقول أنا تعبت يُقال لها: من أيش؟ كل شي تمام عندك. وهي تعرف أنّ كل شيء تمام فعلاً، ومع ذلك تشعر أنّها تركض في مكانها.
هؤلاء ليسوا كسالى ولا مقصّرين. هم يعملون أكثر من غيرهم بكثير. المسألة أنّ العمل عندهم لا يُغلق حساباً، لأنّ الحساب لم يُفتح على الإنجاز أصلاً.
ولهذا التعب شكل في الجسد أيضاً. أكتاف مرفوعة قليلاً طوال الوقت وأنت لا تنتبه. فكّ مشدود عند النوم. نفَس قصير يبدأ من أعلى الصدر لا من أسفله. الجسد يبقى في حالة استعداد، لأنّ الامتحان عنده مفتوح ولم يُغلق منذ سنوات.
وأصعب ما في هذا التعب أنّه صامت وأنيق. يبدو من الخارج طموحاً، ويُمدَح عليه صاحبه. تسمع: أنت ما تتوقّف أبداً. فتبتسم وتكمل، وأنت تعرف في داخلك أنّ الذي يحرّكك ليس الشغف. الشغف يملأ. وهذا يفرّغ.
ولأنّه يُمدَح، يصعب التخلّي عنه. من يقترح عليك أن ترتاح يبدو وكأنّه يطلب منك أن تتراجع، فتردّ بالجملة الجاهزة: أنا كذا، ما أعرف أقعد. وهي جملة صادقة، لكنّها تصف العادة لا تصف السبب.
ثمّ تأتي اللحظة التي انتبهت لها أنا متأخّراً. أنا لم أكن أنتظر تصفيق قاعة. كنت أنتظر جملة واحدة. جملة محدّدة، بنبرة محدّدة، من مكان محدّد. وكلّ مرّة يقولها لي شخص آخر، تصل ناقصة، لأنّ الأذن التي تنتظرها مضبوطة على صوت واحد.
ولن أقول لك إنّني انتهيت من هذا. ما زلت أنتبه أحياناً إلى أنّني أرسل رسالة وأتفقّد الهاتف بعدها بدقيقتين. الفرق الوحيد أنّني صرت أعرف ماذا أفعل حين ألاحظ ذلك، فلا أطالب نفسي بمزيد من الجهد في مكان لا ينقصه الجهد.
ولا يعني هذا أن تتوقّف عن العمل، ولا أن تصير أقلّ إتقاناً. الإتقان جميل حين يخرج منك، وثقيل حين يخرج من انتظارك. والفرق بينهما لا يظهر في النتيجة، يظهر في اللحظة التي تلي النتيجة.
وأوّل ما يتغيّر هو التسمية. حين تعرف أنّ ما تحمله انتظار لا طموح، يخفّ الحمل قليلاً، ويصير بإمكانك أن تنظر إليه بدل أن تركض به.
ثمّ يبقى سؤال واحد:
متى آخر مرّة فعلت شيئاً ولم تنتظر أحداً أن يراه؟
اسأل نفسك
حين انتهيت من آخر شيء أتقنتَه، كم دقيقة استمرّت الراحة؟
تمرين هذا الأسبوع
خلال الأيام الثلاثة القادمة، في اللحظة التي تنهي فيها أي مهمّة تهمّك، توقّف دقيقة واحدة واكتب ثلاثة أسطر في هاتفك:
ثلاث مرّات تكفي. وحين تقرأ الأسطر التسعة مجتمعة، ستلاحظ أنّ الرقم في السطر الثالث يتكرّر بشكل يشبه نفسه. هذا الرقم يخصّك، واحتفظ به.
صدى من تجربة سابقة
كنت تحت تأثير اقتصاد القبول. بمعنى أنني أقتصد في حياتي لأكون مقبولة.
ـ فاطمة
بين أن تُنجز وأن تكتفي، مسافة لا يقطعها مزيد من الجهد.
انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم
ـ مهنَّد