بريد الداخل
← كل الأعداد
العدد #18 1 سبتمبر 2026

من يراك الآن، ولا تراه أنت

الجوع يرفض الطعام لأن اليد التي قدّمته ليست اليد التي انتظرها، فتبقى جائعاً أمام مائدة.

في مطعم، قالت له صديقته جملة دقيقة عنه. قالت إنها تلاحظ أنه يهدأ حين يتكلّم عن عمله، وأنها ترى فيه شيئاً لا يراه هو. جملة صادقة، من إنسانة تعرفه منذ سنوات.

قال: «الله يخليك». ثم سأل عن قائمة الحلويات.

وفي الليلة نفسها، كتب في دفتره أن لا أحد يعرفه حقاً.

الاثنان حدثا في اليوم نفسه، وبينهما ساعتان.

هذه ليست حالة نادرة. هذه أكثر ما يحدث. نحن لا نفتقر إلى من يرانا بقدر ما نرفض من يرانا، لأنه ليس الشخص الذي نريده أن يرانا.

وهذا يشبه شيئاً بسيطاً إلى حدّ محرج. جائع يقف أمام مائدة موضوعة أمامه، ويرفض أن يمدّ يده، لأن الطعام لم تقدّمه اليد التي انتظرها. وهو صادق في جوعه، وصادق في رفضه أيضاً. لكنه يجوع أمام طعام.

لماذا يحدث هذا؟

لأن الجوع لم ينشأ عن نقص في الطعام، بل عن نقص في يد بعينها. ومن نشأ عنده الجوع بهذه الصورة، صار يبحث عن الاعتراف من المصدر الذي حجبه أولاً، لا من أي مصدر. وكلّ ما يأتي من غير ذلك المصدر يُصنَّف تلقائياً بأنه لا يُحتسب.

انظر كيف يجري التصنيف بداخلك، فهو يجري بسرعة ولا تكاد تلحظه.

يمدحك زميل، فتقول لنفسك إنه لا يعرفك جيداً. تقول لك زوجتك إنك أب جيّد، فتقول إنها تجاملك وهذا واجبها. يخبرك طالب أو متدرّب أنك غيّرت شيئاً فيه، فتقول إنه متحمّس وسيتغيّر رأيه. تحكي لك أختك أنها تراك متعباً، فتقول إنها تبالغ.

خمس مرّات وصلت فيها الرؤية، وخمس مرّات رُدّت عند الباب. ثم تجلس في نهاية اليوم وتقول إن لا أحد يراك، وأنت صادق تماماً في شعورك.

ولاحظ أن كل ردّ من هذه الردود منطقيّ بذاته. الزميل فعلاً لا يعرف كلّ شيء عنك، والزوجة فعلاً تحبّك فتميل إلى الحسن. لكن المنطق هنا ليس منطقاً، هو محامٍ يعمل عندك بدوام كامل، مهمّته أن يجد سبباً وجيهاً لردّ كلّ شهادة قبل أن تُسجَّل. ولو كانت الشهادة نفسها جاءت من الفم الذي تنتظره، لما احتاج المحامي إلى الكلام.

وهنا الجزء الذي يقلب الأمر.

الرفض لا يحدث لأنك جاحد، ولا لأنك عالي التوقّعات. يحدث لأنك تحرس شيئاً.

لأنك لو قبلت أن هؤلاء يرونك فعلاً، سقط أمر ثقيل: لم يعد الغياب هو القصّة. صار عندك رؤية، ووجب أن تفعل بها شيئاً. أن تُصدّق، وأن تقترب، وأن تعيش على أساسها. وهذا أصعب بكثير من انتظار عين واحدة لن تأتي.

وفي الانتظار عذر جاهز أيضاً. ما دام لم يرك أحد، فكلّ ما لم تفعله له سبب خارجي. لم تبدأ لأن أحداً لم يشجّعك، ولم تطلب لأن أحداً لم يفتح لك باباً. أمّا حين تُصدّق أن هناك من رآك وشجّعك فعلاً، فالعذر يسقط، ويبقى السؤال الذي كنت تؤجّله: إذاً لماذا لم أتحرّك؟

انتظار عين لا تأتي فيه راحة غريبة. ما دمتَ تنتظر، لا يُطلب منك شيء. أمّا أن تُرى الآن، من هذا الشخص، في هذه الغرفة، فهذا يبدأ الشغل فوراً.

وثمّة سبب آخر أقلّ وضوحاً. من رفض الرؤية القادمة من غيره، أبقى المصدر الأصلي على عرشه. ما دمتَ ترفض كلّ عين لأنها ليست عين أبيك، فأنت تعلن كلّ يوم أن عين أبيك هي المرجع الوحيد. والرفض هنا شكل من أشكال الوفاء، لكنه وفاء يكلّفك حياتك الحاضرة كلّها.

والثمن لا يقع عليك وحدك. من يمدّ يده إليك ويُردّ خمس مرّات يتعب. ليس غضباً منك، بل لأن الإنسان يكفّ عن قول ما لا يُستقبل. فتخسر الرؤية مرّتين، مرّة حين رفضتها، ومرّة حين توقّف صاحبها عن عرضها. ثم يصدق ظاهرياً أن لا أحد يراك، وقد صنعتَ ذلك بيدك دون أن تقصد.

وفي بيوتنا يتّخذ هذا شكلاً مألوفاً. ابنة تنجح في عملها، ويقول لها الجميع كلاماً جميلاً، وهي تنتظر جملة من أمّها لا تأتي. فتصير كلّ التهاني بلا طعم. وابن يبني ويحقّق ويُشهد له، ويظلّ يترقّب نظرة من أبيه في مجلس. ولو حضرت تلك النظرة يوماً، لاكتشف أنها لا تكفي أيضاً، لأن الجوع تشكّل في زمن ما عاد موجوداً.

وهذا هو الأصل. أنت لا تنتظر أن يراك أبوك اليوم. تنتظر أن يراك أبوك وأنت في السابعة. وذلك الطفل لم يعد قابلاً للرؤية، لأنه ليس هنا.

ولهذا لا يشفي التعويض المتأخّر شيئاً. من نال الاعتذار الذي انتظره عشرين سنة يجده أخفّ ممّا تخيّل، ويظنّ نفسه جاحداً. وهو ليس جاحداً، هو فقط أوصل الطعام إلى إنسان بالغ، والجائع طفل في السابعة ما زال جالساً في الداخل ينتظر. والبالغ وحده يقدر أن يلتفت إلى ذلك الطفل ويقول له: أنا هنا، وأنا أراك.

فما البديل؟ ليس أن تُقنع نفسك بأنك لا تحتاج أحداً، فهذه عودة إلى الجدار. البديل أصغر بكثير: أن تفتح باب من يقف عليه الآن.

وهذا لا يعني أن تصدّق كلّ كلمة تُقال لك. يعني أن تتوقّف عن الرفض التلقائي قبل الفحص. حين تصلك جملة، اسأل سؤالاً واحداً قبل أن تصنّفها: هل هذه الجملة صحيحة؟ لا هل قائلها هو من أردته، بل هل ما قاله يطابق ما تعرفه عن نفسك. فإن طابق، فقد وصلتك رؤية، مهما كان الفم الذي حملها.

الخارج مرآة الداخل. ومن يراك ولا تراه هو مرآة أيضاً، تريك أن الحكم ما زال قائماً، وأن المرجع ما زال في مكانه القديم.

أقول لك هذا وأنا أعرفه من الداخل. أمضيت سنوات أستقبل الكلام الطيّب بمزحة، ثم أشتكي في الليل من الوحدة. وكان بيني وبين ما أطلبه مسافة قصيرة جداً، لكنها كانت مغلقة من جهتي أنا، لا من جهتهم.

وما زلت أحياناً أُمسك نفسي وأنا أصنّف جملة وصلتني بأنها مجاملة. الفرق الوحيد أنني صرت أعود إليها بعد قليل، وأسأل: ولو كانت صادقة؟ ماذا يتغيّر لو صدّقتها؟

الذين يرونك موجودون. المسألة أن اسم من ينظر إليك مكتوب مسبقاً في رأسك، وأنت ترفض كلّ اسم سواه.

فمن الذي رآك هذا الأسبوع، وشطبتَه لأنه ليس هو؟ وماذا لو صدّقتَه هذه المرّة؟

اسأل نفسك

"

من الذي رآك هذا الأسبوع، وشطبتَه لأنه ليس هو؟

تمرين هذا الأسبوع

ثلاث جمل رُدَّت عند الباب

خذ ورقة وخمس دقائق، وارجع بذاكرتك إلى الأيام السبعة الماضية وحدها.

اكتب ثلاث جمل قالها لك أحد عنك، مهما بدت صغيرة أو عابرة. جملة في العمل، وأخرى في البيت، وأخرى من صديق أو قريب.

أمام كل جملة اكتب ما فعلتَه بها في تلك اللحظة: هل شكرتَ وانتقلت؟ هل قلت إنه يبالغ؟ هل نسبتَ الفضل لغيرك؟

ثم اسأل عن كل واحدة سؤالاً واحداً: ولو كانت صحيحة؟ اكتب الجواب في سطر. هذا السطر هو ما رددتَه عند الباب.

صدى من تجربة سابقة

"

أول مرة أشوف أمي تظهر لها الحب وتجلس قريب منها وتلمسها، لدرجة أني لما شفتهم بهذا المنظر صورتهم فيديو واحتفظت فيه، لأني أعرف أني راح أشك في نفسي هل فعلاً صار هذا الشي

ـ هدى

الذين يرونك موجودون، والباب مغلق من جهتك أنت

انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم

توقيع مهنّد مروان مزيّك

ـ مهنَّد