انتظرتَ العين طويلاً، وحين جاءت غيّرتَ الموضوع. وهذا ليس تناقضاً، هو حارس قديم يعمل بإتقان.
انتظرتَ سنوات أن ينظر إليك أحد ويقول: أنا أراك. ثم جاء اليوم الذي حدث فيه ذلك بالضبط.
جلس أمامك شخص، ونظر إليك، وقال جملة دقيقة عن شيء بداخلك ما قلته لأحد. وصفك بلا مبالغة ولا مجاملة، كما أنت تماماً.
فماذا فعلت؟
ضحكت. أو قلت «لا تبالغ». أو غيّرت الموضوع بمهارة من جرّبها كثيراً. أو نظرت إلى هاتفك. أو قلت له إن هناك من هو أسوأ حالاً منك.
وخرجت من هناك بضيق لم تتوقّعه، لأنك حصلت على ما كنت تريده، وشعرت وكأنك خسرت شيئاً.
هذه اللحظة تستحقّ أن نقف عندها طويلاً، لأنها تكشف الشيء الذي يُبقي أكثرنا في مكانه سنوات.
أن تُرى ليس شعوراً واحداً. هو شعوران يأتيان معاً، والثاني أقوى من الأول.
الأول هو الارتياح. أخيراً وصل شيء.
والثاني هو الانكشاف. وهذا هو الذي يحسم.
لأن جهازك العصبي لا يعرف الفرق بين أن تُرى بحبّ وأن تُرى بخطر. يعرف شيئاً واحداً: أنا الآن ظاهر. ومن كان ظاهراً كان متاحاً. متاحاً للحكم، وللمقارنة، وللاستعمال، ولأن يُقال له إن ما فيه عيب.
وهذه ليست مبالغة في وصف مجالسنا. في ثقافة تُبنى فيها السمعة على ما يعرفه الناس عنك، الظهور فعل له كلفة محسوبة. من قال إنه متعب صار الضعيف في نظر أهله. ومن قالت إنها ليست بخير في زواجها سمعت أن الكلام يُفهم خطأ ويدور. فتعلّم الجميع أن يُظهروا ما لا يمكن استعماله ضدّهم، وأن يحتفظوا بالباقي.
وأكثرنا تعلّم هذا الدرس صغيراً. طفل يعرض رسمه فيُقال له أحسن في دراستك أولاً. طفلة تحكي عن شيء أفرحها فيُقال لها لا تحكي كثيراً أمام الناس. مراهق يقول ما يشعر به فيصير ما قاله نكتة في المجلس لسنوات.
لم يقل أحد لهم: اختفوا. قيل لهم شيء أدقّ: الظهور له ثمن.
فتعلّموا أن يُخرجوا نسخة مهذّبة تكفي للتعامل، ويُبقوا الباقي في الداخل. وصار الباقي هو الشيء الذي يريدون أن يُرى، وهو نفسه الشيء الذي يفزعهم أن يُرى.
وهذه هي العقدة بعينها. الرغبة والخوف ليسا في اتّجاهين متعاكسين، هما مصوّبان إلى الهدف نفسه. تريد أن يصل أحد إلى ذلك المكان بالضبط، وتخاف أن يصل أحد إلى ذلك المكان بالضبط. فتعيش سنوات وأنت تدعو أحداً وتصدّه في الجملة الواحدة.
وهنا طبقة ثانية أعمق، وهي التي لا تُقال كثيراً.
من عاش عمره غير مرئيّ، بنى على ذلك بيتاً. صار «الذي لا يفهمه أحد»، أو «الذي يعطي ولا يأخذ»، أو «القويّ الذي لا يحتاج». وهذه ليست شكاوى فحسب، هي هوية. تعرف من أنت من خلالها.
فحين يراك أحد فعلاً، لا يهدّد راحتك، يهدّد بيتك. لأنه لو صحّ أنك مرئيّ، فمن أنت الآن؟
وهذا سؤال مخيف بما يكفي ليجعل إنساناً يفضّل ألماً يعرفه على سلام لا يعرف شكله. ليس غباءً، ولا حبّاً للألم. هو أن تُبقي البيت واقفاً، ولو كان بارداً.
ولهذا تجد من يشتكي من نمط يتكرّر عنده سنوات، وحين تقترب من جذره يبتعد. ليس لأنه لا يريد أن يتحرّر، بل لأن التحرّر يعني أن ينزل الاسم الذي عرّف به نفسه طول الطريق. والإنسان يتشبّث بالمعرفة حتى لو كانت موجعة، لأن المجهول أثقل من الموجع.
وثمّة طبقة ثالثة أصغر وأثقل. الرؤية تُلزِم. من رآك قادراً، صار من الصعب أن تبقى مكانك. ومن رأى جرحك، صار من الصعب أن تتظاهر بأنه ليس هناك. ولهذا يهرب بعضنا من العين لا خوفاً منها، بل خوفاً ممّا ستطلبه منه بعد أن تراه.
والطلب هنا لا يأتي من الخارج. من رآك قادراً لم يطلب منك شيئاً، هو فقط قال ما رآه. الطلب يأتي منك أنت، لأن رؤيته أسقطت العذر الذي كنت تستريح إليه. وما دام أحد لم يرَ، بقي ممكناً أن تقول لنفسك إن الظروف هي التي أوقفتك.
فما هذا كلّه؟ هذا حارس قديم يعمل بإتقان. مهمّته حمايتك من أذى وقع فعلاً في زمن لم تكن تملك فيه شيئاً آخر. الحارس ليس عدوّك، هو موظّف مخلص يعمل بمعلومات قديمة أربعين سنة.
وأنت اليوم لست في تلك السنة، ولا في تلك الغرفة، ولا بلا حيلة.
ولستُ أقول لك توقّف عن الخوف. هذا كلام يُقال بسهولة ولا يُطبَّق. أقول لك شيئاً أصغر وأدقّ بكثير: في المرّة القادمة التي يراك فيها أحد، ابقَ ثانيتين إضافيتين قبل أن تضحك أو تغيّر الموضوع. ثانيتان فقط. لا تفعل شيئاً، ولا تردّ بشيء.
في هاتين الثانيتين يحدث الشيء كلّه. لأنك تعطي جهازك العصبي معلومة جديدة: ظهرتُ ولم يقع الأذى. والحارس لا يُقنَع بالكلام، يُقنَع بالتكرار.
ولن تحدث الطمأنينة من المرّة الأولى، ولا من الخامسة. سيظلّ الحرج يأتي، وسيظلّ الجسد يريد أن يتحرّك ويقطع اللحظة. لكن شيئاً يتراكم في الخلفية بلا ضجيج: صار عندك سجلّ من مرّات ظهرتَ فيها ولم يقع شيء. وهذا السجلّ هو الذي يغيّر الحساب في النهاية، لا القرار ولا العزيمة.
أقول لك هذا وأنا أعرف تلك الثانيتين جيداً. كنتُ ممّن يستقبل الجملة الطيّبة بمزحة سريعة، وكنتُ أظنّها تواضعاً. ثم انتبهت أنها لم تكن تواضعاً، كانت باباً أغلقه قبل أن يدخل أحد. وأول مرّة سكتُّ وتركت الجملة تصل، شعرت بشيء يشبه الحرج ويشبه الدفء معاً، وبقيت.
وما زال الحارس يقف أحياناً. الفرق الوحيد أنني صرت أراه، فأقول له إنني بخير الآن، ثم أبقى.
الذي يخيفك ليس أن يُرفَض ما فيك. الذي يخيفك أن يُقبَل، فتخسر السبب الذي بقيتَ به بعيداً.
فمتى آخر مرّة رآك أحد وانسحبتَ؟ وماذا كنتَ تحمي في تلك اللحظة؟
اسأل نفسك
متى آخر مرّة رآك أحد فانسحبتَ؟ وماذا كنتَ تحمي؟
تمرين هذا الأسبوع
هذا تمرين يحدث في لحظته، لا على ورقة.
في المرّة القادمة التي يقول لك فيها أحد جملة طيّبة عنك، مهما كانت صغيرة، ابقَ ثانيتين قبل أن تردّ. عدّ في داخلك: واحد، اثنان.
لا تشكر ولا تنفِ ولا تمزح ولا تعطِ الفضل لغيرك. فقط انظر إلى من قالها ودع الجملة تصل.
بعدها بدقائق، اكتب في هاتفك سطراً واحداً: ماذا حدث في جسدي في تلك الثانيتين؟ وهل وقع الأذى الذي كنت أتوقّعه؟
صدى من تجربة سابقة
صار عندي أمل أن هالطريق قد يكون القشة اللي يتعلق بها الغريق، وما أخفيكم أن هالشي نوعاً ما مخيف
ـ عبير من السعودية
ابقَ ثانيتين إضافيتين، فالحارس يقتنع بالتكرار لا بالكلام
انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم
ـ مهنَّد