جوع أن تُقبَل كما أنت غير جوع أن يُعترف بأنك قادر، ولكلٍّ منهما باب مختلف.
امرأتان تقولان الجملة نفسها في الأسبوع نفسه: «لا أحد يراني».
الأولى تحكي عن زوجها. تقول إنها تطبخ وترتّب وتتذكّر مواعيد الجميع، ولا أحد يسألها كيف حالها هي. والثانية تحكي عن مديرها. تقول إنه لم يذكر اسمها في اجتماع، وإنها لم تنم تلك الليلة.
الجملة واحدة، والجوع مختلف تماماً. وما يشبع الأولى لا يشبع الثانية ولو أُعطيته ألف مرّة.
هنا تفصيل يغيب عن الحديث السائد. نحن لا نحتاج أن يرانا أحد فحسب. نحن نحتاج أن يرانا أحد بعينٍ بعينها. والعينان اللتان وقفتا فوقنا في البداية لم تكونا تعطيان الشيء نفسه.
العين الأولى تقول لك: أنت موجود. حضورك مقبول كما هو، بلا شرط ولا إنجاز ولا سبب. أنت لست ضيفاً في هذه الحياة.
والعين الثانية تقول لك شيئاً آخر: أنت قادر، ولك مكان بين الناس. أنت تستطيع أن تخرج إلى الخارج وتقف فيه ولا ينهار شيء.
الأولى تمنح الوجود. والثانية تمنح الشرعية.
والحاجة إلى الاثنتين ليست ترفاً ولا دلالاً. من مُنح الوجود بلا شرعية يعيش محبوباً في بيته صغيراً في الخارج، يدخل الاجتماع وقلبه يخفق كأنه دخيل. ومن مُنح الشرعية بلا وجود يصير كفؤاً يعتمد عليه الجميع، ولا يعرف أحد اسم ما يتعبه، لأنه لم يُسأل يوماً كيف حاله بلا سبب.
ولستُ أتكلّم هنا عن الذكر والأنثى بوصفهما طبعاً وصفة. أتكلّم عن موقعين في النسق، والموقع أوسع من الشخص الذي جلس فيه. قد تكون العين الثانية جدّاً، أو خالاً، أو معلّماً في الصفّ الخامس نظر إليك مرّة واحدة نظرة صدّقتها. وقد يكون الأب حاضراً في البيت كلّ يوم ولم تصل منه تلك النظرة مرّة.
وحين تنقص إحدى العينين، ينشأ جوع بشكل مختلف.
من نقصته العين الأولى يبقى يبحث عن الانتماء. يريد أن يُقبَل كما هو، فيُرضي ويجامل ويوافق ويؤجّل رأيه، ويخاف من أن يُترك أكثر ممّا يخاف من أي شيء. وحين يجلس في بيت أهله يشعر أنه ضيف مهذّب، لا ابن.
وقد يبلغ هذا حدّاً يصعب تصديقه. شخص في الخامسة والثلاثين يزور أهله فيدقّ الباب، ويجلس على طرف الكنبة، ويسأل قبل أن يفتح الثلاجة. لا أحد قال له إنه غريب، ولا أحد منعه من شيء. هو فقط لم يستلم يوماً الرسالة التي تجعل البيت بيته.
ومن نقصته العين الثانية يبقى يبحث عن الشرعية. ينجز ويُثبت ويجمع الشهادات والألقاب، ويقول لنفسه إنه طموح. وفي كلّ مرّة يصل، يفرغ الإنجاز من معناه خلال أيام، فيبدأ الجري نحو التالي. لأن الذي ينقصه ليس إنجازاً آخر، بل عين تقول له: يكفي، لك مكان.
ولهذا ترى من جمع كلّ شيء وهو لا يستطيع أن يستريح. المال موجود والاسم معروف والبيت قائم، وهو ينهض كلّ صباح كأنه ما زال يمتحن. لأن الشرعية لا تُشترى بالإنجاز، تُمنَح بالنظرة، ومن لم تصله في وقتها يظلّ يحاول شراءها بعملة لا تُقبل عند ذلك الباب.
والآن الجزء الذي يكلّفنا سنوات.
نحن نذهب بالجوع الأوّل إلى الشبّاك الثاني، وبالجوع الثاني إلى الشبّاك الأوّل. ثم نغضب لأن أحداً لم يعطنا شيئاً.
والشبّاك الخطأ يبدو منطقياً تماماً من الداخل. تقول لنفسك إنه من حقّك أن تُقدَّر في عملك، وإنه من حقّك أن يراك من تعيش معه. وهذا صحيح كلّه. المسألة ليست في الحقّ، بل في العملة. أنت تقف في مكان يوزّع خبزاً وتطلب ماء، ثم تخرج غاضباً لأنهم لم يفهموا.
من نقصته العين الأولى يطلب الانتماء من مديره، ومن جمهوره، ومن عدد من يثنون عليه. وكلّها أماكن تعطي التقدير ولا تعطي الانتماء أصلاً. ومن نقصته العين الثانية يطلب الشرعية من زوجته، فيريدها أن تقول له كلّ يوم إنه كافٍ وقادر ومحترم في بيته، وهي لم توقّع على أن تكون عين أبيه.
وهذا أصل تعبٍ كثير في بيوتنا. زوجة تشعر أنها مهما أعطت لا تكفي، وزوج يشعر أن ما يفعله لا يُرى. والاثنان يقفان في المكان الخطأ، ويطلبان من بعضهما ما لم يوجد عند أيّ منهما.
والأصعب أن الطلب لا يخرج بلغة واضحة. لا أحد يقول لزوجته: أريدك أن تنظري إليّ كما لم ينظر أبي. يخرج الطلب على شكل انزعاج من تفصيل صغير، أو صمت طويل بعد جملة عابرة، أو غضب لا يتناسب مع سببه. والطرف الآخر يسمع الشكل ولا يسمع الطلب، فيدافع عن نفسه، وتُغلَق دورة كاملة بلا أن يقترب أحد من الجوع.
وفي بيوتنا الخليجية تحديداً تتشكّل هذه القصّة بأدوات مألوفة. الأب يحضر بالمال ويغيب بالنظر، ويظنّ صادقاً أنه أدّى ما عليه، لأن أباه هو أيضاً أدّى له الشيء نفسه ولم يزد. والأم تحضر بالجسد وتغيب بالعين، لأنها منشغلة، ولأنها هي أيضاً لم تُرَ يوماً فلا تعرف كيف تعطي ما لم يصلها. لا أحد هنا مُقصّر بنيّة. كلّهم أعطوا ما وصلهم.
وحين تدرك هذا، تسقط المحكمة كلّها. لأن السؤال يتحوّل من «لماذا لم يعطني» إلى «ماذا كان عنده أصلاً ليعطيه».
الخارج مرآة الداخل. والشخص الذي يستفزّك اليوم لأنه لا يراك ليس عدوّاً، هو لافتة تشير إلى الشبّاك الذي وقفت أمامه طويلاً وهو مغلق منذ البداية.
أقول لك هذا وأنا أعرف الشبّاكين. طلبتُ الشرعية سنوات ممّن لا يملكها ليعطيني، ثم غضبت منهم لأنهم لم يعطوها. وحين توقّفت عن الطلب ونظرت إلى المكان الذي جاء منه الجوع، تغيّر شيء. لا لأن أحداً اعتذر، بل لأنني كففت عن مدّ اليد إلى جيب فارغ.
وما زلتُ أُمسك نفسي أحياناً وأنا أنتظر جملة من شخص لا يملكها. الفرق الوحيد أنني صرت أعرفها حين تحدث، فأسحب اليد قبل أن أغضب.
الجوعان لا يُشبعان من الشبّاك نفسه. ومن يعرف أيّ عين نقصته، يتوقّف عن طرق الأبواب الخطأ.
فأيّ الجوعين تحمل أنت؟ ومن الذي تطالبه اليوم بما لم يكن عنده يوماً؟
اسأل نفسك
ممّن تنتظر اليوم جملةً لم تكن عنده يوماً؟
تمرين هذا الأسبوع
خذ ورقة وسبع دقائق. ارسم عمودين. اكتب فوق الأول: ما الذي أنتظره ولا يأتي؟ وفوق الثاني: ممّن أنتظره؟
اكتب في العمود الأول خمسة أشياء تنتظرها من الناس، بجملة قصيرة لكلّ واحد. وأمام كلّ واحد اكتب اسم من تنتظره منه.
ثم ضع علامة واحدة أمام كلّ سطر: هل ما تنتظره هو أن تُقبَل كما أنت، أم أن يُعترف بأنك قادر؟
انظر إلى العلامات معاً. سترى أيّ الجوعين يحكمك، وسترى أيضاً كم مرّة طلبته ممّن لا يملكه.
صدى من تجربة سابقة
من أول جلسة شافيت علاقتي مع أبي وبادرت، وكأن البلوك الطاقي كله بيننا اختفى
ـ سارة
حين تعرف أيّ جوع تحمل، تتوقّف عن طرق الأبواب الخطأ
انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم
ـ مهنَّد