النمط الذي تكرّره اليوم تعلّمته في أوّل علاقة عرفتها، والأمّ ليست المتّهمة فيه، هي الأرض.
قل كلمة «أم» بصوت مسموع في غرفة فيها عشرة أشخاص، ثم راقب الوجوه.
واحد يبتسم فوراً. وواحد ينظر إلى الأرض. وواحدة تقول بسرعة زائدة عن اللازم إن أمّها إنسانة رائعة. وواحد يغيّر الموضوع.
أربع استجابات مختلفة لكلمة واحدة مكوّنة من حرفين. وكلّها جاءت من المكان نفسه.
ومن قال منهم بسرعة إن أمّه صديقته المقرّبة لم يكن يكذب. كان يحرس. لأن أوّل ما يتعلّمه الطفل عن أمّه أنها الأرض التي يقف عليها، وزعزعة الأرض تعني السقوط. فيبقى الكبار يحرسون تلك الأرض بجملة جاهزة، حتى لو كانوا يتألّمون فوقها منذ ثلاثين سنة.
قبل أن تعرف اسمك، وقبل أن تملك لغة تصف بها ما تشعر به، كنتَ تجري تجربة واحدة متكرّرة: أُصدر صوتاً وأرى ماذا يحدث. أمدّ يدي وأرى ماذا يحدث. أبكي وأرى ماذا يحدث. جهازك العصبي كان يجمع البيانات، وأنت لا تعرف أنك تجمعها. وفي نهاية تلك السنوات خرجتَ بحكم واحد صامت عن نفسك: أنا كثير، أو أنا قليل.
من خرج بحكم «أنا كثير» تعلّم أن حضوره يُتعب من حوله. أن صوته عالٍ، أن مشاعره كبيرة، أن أسئلته مرهقة. فصار يصغّر نفسه في كل غرفة يدخلها. يعتذر قبل أن يتكلّم، يختصر قصته في نصفها، يقول «ما فيها شي» عن أمر فيه الكثير.
ومن خرج بحكم «أنا قليل» تعلّم أن وجوده لا يُلاحَظ ما لم يفعل شيئاً استثنائياً. فصار يقدّم ويُنجز ويحمل ويرتّب، ويظنّ أنه طموح. وهو في الحقيقة يدفع، كل يوم، فاتورة قديمة اسمها إثبات أنه يستحقّ مساحة.
وقد ترى الحكمين في مشهد واحد. ذكر في الأربعين يتّصل بأمّه كل يوم في الوقت نفسه، ويقفل السمّاعة بفراغ لا يعرف مصدره. المكالمة ليست برّاً فحسب، فيها أيضاً التجربة القديمة تُعاد كما هي: أُصدر صوتاً وأرى ماذا يحدث. وحين يمرّ اليوم بلا الشيء الذي ينتظره منذ أربعين سنة، يقفل ويقول لنفسه إنه متعب من العمل.
والحكمان صدرا في المكان نفسه، وعن الشيء نفسه، وفي وقت لم تكن تملك فيه أدوات الاعتراض.
هنا تحديداً يقف السوق العربي عند نصف الطريق. النصيحة السائدة إمّا أن تدافع عن أمّك بأي ثمن، وإمّا أن تحمّلها كل شيء وتبتعد. وكلا الطريقين يقودك إلى الباب نفسه: المحكمة. تجلس فيها متّهماً أو محامياً، وتخرج منها بالتعب نفسه.
نحن لا نذهب إلى المحكمة. نحن نذهب إلى الأرض.
الأم ليست المتّهمة في هذه القصة، هي أوّل أرض وقفتَ عليها. والأرض لا تُحاكَم على خصوبتها. الأرض تعطي ما فيها. والبذرة التي نبتت في تربة قليلة الماء لا تحمل عيباً في البذرة، تحمل أثر التربة.
وحين تنظر إلى التربة نفسها تجد شيئاً يغيّر السؤال كلّه: أمّك أيضاً كانت طفلة في أرض. وحين كنتَ في الخامسة، كانت هي في مكان ما من قصّتها، تحمل ما تحمله، خائفة ممّا تخاف منه، تنتظر من ينظر إليها هي.
من لم تُرَ في يوم من الأيام، يصعب عليها أن تعلّم غيرها كيف يُرى. لا لأنها ترفض، بل لأن الإنسان يعطي ما وصله. وأبحاث راشيل يهودا في علم الوراثة اللاجينية أظهرت أن أثر التجربة الشديدة ينتقل بين الأجيال بصورة أعمق من الرواية والتربية وحدهما. أي أن الأرض ورثت حالتها هي أيضاً.
وهنا تصل إلى الجملة التي تغيّر الشغل كلّه:
الحكم الذي صدر فيك لم يكن عنك. كان عن سعة الأرض التي وقفتَ عليها.
طفل واحد بالضبط، بنفس الصوت ونفس الأسئلة ونفس الحاجة، لو وُلد في أرض واسعة لخرج بحكم «أنا كافٍ». ولو وُلد في أرض مثقلة لخرج بحكم «أنا كثير». الطفل هو هو. الذي تغيّر هو ما كانت الأرض تقدر عليه في تلك السنة.
وأنت ما زلت تعيش على حكم صدر عن سعة تربة، وتظنّه حقيقة عنك.
عالمة النفس ماري أينسورث بنت على عمل جون بولبي في السبعينيات، وأظهرت في تجاربها على أنماط التعلّق أن الطفل يبني نموذجاً داخلياً عن نفسه وعن العالم من تكرار استجابة واحدة: هل حين احتجتُ، جاء أحد؟ هذا النموذج يبقى يعمل في الخلفية بعد أربعين سنة، في اجتماع عمل، وفي رسالة تنتظر ردّاً عليها منذ ساعتين.
أقول لك هذا وأنا أعرف الطريق من داخله. أمضيت سنوات في المحكمة، مرّة محامياً ومرّة مدّعياً، وكلّ مرّة كنت أخرج بالتعب نفسه. ثم في لحظة لا أعرف لها اسماً محدّداً، توقّفت عن السؤال عمّا فعلته بي، وسألت عمّا كانت تحمله هي. لم أعذرها في تلك اللحظة فحسب. تحرّرت.
ولستُ أقول لك سامح. المسامحة كلمة تُقال بسرعة وتُطبَّق ببطء، وأكثر من يقولها لنفسه إنما يقفز فوق الطبقة التي تحتها. أقول لك شيئاً أصغر وأدقّ: انظر إلى الأرض كما كانت، لا كما تتمنّاها ولا كما تتّهمها.
وما يجري هنا ليس تفتيشاً في ماضي أمّك ولا جمعاً للأدلّة. هو أن ترى الحجم الحقيقي لما كان متاحاً في تلك السنة، بدل الحجم الذي رسمه طفل في الخامسة وهو ينظر من الأسفل إلى الأعلى. الطفل يرى أمّه عملاقة لأنه صغير، فيحسب أن كل ما صدر عنها كان قراراً. والبالغ وحده يقدر أن يرى إنسانة كانت تفعل ما تستطيعه بما وصلها.
لأن الحكم الذي صدر فيك في الخامسة ما زال ينفَّذ اليوم، بيدك أنت. أنت من يصغّر صوته في الاجتماع، وأنت من يعتذر قبل أن يطلب، وأنت من يحمل عن الجميع ثم يتساءل لماذا لا يراه أحد.
والخبر الجيّد في هذا كلّه أن الحكم الذي صدر عن سعة تربة يمكن أن يُعاد النظر فيه، لأنك اليوم لست في الخامسة، ولستَ في تلك الأرض.
فلو قلتُ لك كلمة واحدة الآن، «أم»، أيّ صورة تظهر أمامك أوّلاً؟ ومن قال لك إن تلك الصورة هي القصّة كاملة؟
اسأل نفسك
لو قلتُ كلمة «أم»، أيّ جرح يظهر أمامك أوّلاً؟
تمرين هذا الأسبوع
خذ ورقة وسبع دقائق. اكتب في أعلاها: ماذا كانت أمّي تحمل حين كنتُ في الخامسة؟
ثم اكتب ما تعرفه فعلاً عن حياتها في تلك السنة، لا ما تشعر به تجاهها. كم كان عمرها. ماذا كانت تعمل. من كان يسندها. ماذا فقدت قبل ذلك بقليل.
بعدها اقرأ ما كتبت مرّة واحدة، واسأل: هل كانت هذه أرضاً تتّسع لطفل يريد أن يُرى؟
الجواب لا يبرّئ ولا يدين. يعطيك المقاس الحقيقي.
صدى من تجربة سابقة
تمرين التأمل كان جدّاً مؤثّراً، بكيت بشدّة واستوعبت أنني أتحدّث أحياناً إلى أمي لكن لا أعطيها المجال للتحدّث والاستماع إليها
ـ (ف) من الجزائر
ما حُكم عليك به في الخامسة، تستطيع اليوم أن تعيد النظر فيه
انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم
ـ مهنَّد