الرغبة في أن تُرى والهرب من أن تُرى ليسا نقيضين، بل طوران من تجربة واحدة.
في مجلس مليء بالناس، قال جملته. مرّت. أعادها بصوت أعلى قليلاً. مرّت. وبعد دقائق قال أحدهم الفكرة نفسها بصياغة أخرى، فالتفت الجميع وأثنوا عليه. خرج من المجلس وهو يقول لنفسه إن الأمر تافه ولا يستحقّ التوقّف عنده. ثم ظلّ يفكّر فيه ثلاثة أيام.
ثلاثة أيام على جملة عابرة.
الحساب هنا لا يستقيم، ما لم يكن الأمر ليس عن الجملة أصلاً.
في عام 1975 قدّم عالم نفس النموّ الأمريكي إدوارد ترونيك تجربة صارت من أشهر ما أُجري في هذا الحقل، اسمها Still Face، الوجه الجامد. فكرتها بسيطة إلى حدّ القسوة. أمّ تلاعب رضيعها وجهاً لوجه، تبتسم حين يبتسم، تُصدر صوتاً حين يصدر صوتاً، تتحرّك معه. ثم يُطلب منها أن تتوقّف فجأة، وتبقى ناظرة إليه بوجه بلا تعبير. لا غضب ولا رفض ولا انصراف، مجرّد وجه حاضر لا يستجيب.
ما يفعله الرضيع بعدها يحدث بترتيب واحد تقريباً عند كل طفل.
أولاً يحاول. يبتسم أكثر، يصرخ، يمدّ يديه، يشير، يكرّر كل ما نجح معه من قبل ليعيد الوجه إلى الحياة. وحين يفشل، ينتقل إلى الطور الثاني. يشيح بوجهه، ينكمش، يهدأ هدوءاً ليس راحة. طفل عمره أشهر معدودة، تعلّم للتوّ أن الاختفاء أقلّ ألماً من الطلب.
احتفظ بهذين الطورين، لأنك سترى الاثنين في كل مجلس تدخله بعد اليوم.
هناك من يعيش الطور الأول ممتدّاً على عمره كلّه. يرفع صوته قليلاً، يعيد الجملة، يذكر إنجازه مرّتين، يبادر بالخدمة قبل أن تُطلب منه، يقدّم ويقدّم حتى يتعب. هذا إنسان ما زال يحاول إحياء وجه توقّف عن الاستجابة قبل أن يتعلّم هو الكلام.
وأكثر ما يظهر هذا الطور عند من يحمل أسرته كلّها على ظهره. يتّصل بالجميع، يتذكّر مواعيدهم، يحلّ ما يعجزون عنه، ويشتكي بصدق من أنه متعب. اقترح عليه أن يتوقّف شهراً واحداً وسترى الخوف يمرّ في عينيه. الخوف ليس من التعب، بل من الصمت الذي سيأتي بعد التوقّف. لأن العطاء عنده ليس كرماً فقط، هو الصوت الوحيد الذي جرّبه ونجح يوماً في إعادة الوجه إلى الحياة.
وهناك من انتقل إلى الطور الثاني وسكن فيه. يجلس في طرف المجلس، يقول إنه لا يحبّ الأضواء، ويشعر بشيء من الاعتزاز حين يصف نفسه بأنه لا يحتاج أحداً. هذا إنسان توقّف عن المحاولة، لا لأنه شبع، بل لأنه جرّب وفشل مبكراً.
وهنا المفارقة التي يغفلها الحديث السائد. الاثنان ليسا نقيضين. هما لحظتان من التجربة نفسها، والفرق بينهما متى توقّف كلّ منهما عن المحاولة.
الحديث السائد عندنا يعامل الأمر كصفة. من يظهر كثيراً يُقال عنه إنه يحبّ الأضواء، ومن يختفي يُقال عنه خجول، أو واثق لا يحتاج أحداً. الوصفان يصفان السلوك بدقّة، ويتركان الجوع كما هو.
وفي بيوتنا تحديداً يتشكّل هذا مبكراً، وبأدوات مهذّبة. الطفلة التي يُثنى عليها لأنها هادئة تتعلّم أن الهدوء هو ثمن القبول. والصبيّ الذي يُقال له إن الذكر لا يشتكي يتعلّم أن ما بداخله فائض عن الحاجة. لا أحد يقول لهما صراحةً اختفِ. يُقال لهما شيء ألطف بكثير: كن مريحاً. والمريح في قاموس الطفل يعني خفيف الحضور.
ثم يكبران، ويجلسان في مجلس عائليّ يتحدّث فيه كلّ من في الغرفة عن نفسه، ويسكتان. ويعودان إلى بيتيهما بضيق لا يعرفان مصدره.
الطبيب النفسيّ البريطانيّ دونالد وينيكوت كتب أن وجه الأمّ هو المرآة الأولى، وأن الطفل حين ينظر إليها لا يرى وجهها وحده، يرى نفسه فيه. من نظر فوجد وجهاً حيّاً، عرف أنه موجود. ومن نظر فوجد وجهاً مشغولاً أو غائباً أو خائفاً، بقي السؤال مفتوحاً عنده. وظلّ يبحث عن جوابه في كل وجه بعدها.
وقد صار أن تُرى في زماننا سوقاً كاملاً. المنصّات كلّها مبنيّة على وعد واحد: تعال، سنجعلك مرئيّاً. وهي تفي بالوعد فعلاً، بمقياس العدد. لكن العدد لا يفعل شيئاً بالجوع. من يشاهده عشرة آلاف كلّ يوم قد يبقى غير مرئيّ تماماً، لأن الذي يُرى منه هو ما يعرضه، لا هو. والمسافة بين الاثنين هي المسألة كلّها.
والمسافة نفسها يعيشها من يجلس في اجتماع عمل. حين يُثنى على تقريره يرضى دقيقتين ثم يفرغ. وحين يسأله أحدهم سؤالاً واحداً عن حاله، بصدق، ينزل شيء في صدره ولا يعرف لماذا. الأول ثناء على ما أنتجه، والثاني اعتراف به هو. ونحن نجمع الأول طوال العمر ونبقى عطشى للثاني.
لهذا يؤلمك أن زوجتك لم تلاحظ التعب في صوتك. ولهذا يبقى الشكر الذي لم يقله مديرك يدور في رأسك أسبوعاً. ولهذا يغضبك أخوك حين يقاطعك، أكثر ممّا يغضبك أيّ شيء آخر يفعله.
وهنا الموضع الذي يقلب الأمر كلّه.
نحن لا نغضب من هؤلاء لأنهم قصّروا. نغضب منهم لأننا كلّفناهم مهمّة لم يوقّعوا عليها، أن يعوّضوا عيناً لم ترنا في وقتها. وهذه مهمّة لا يقدر عليها إنسان. لو رآك زوجك كلّ يوم، ولو صفّق لك مديرك في كلّ اجتماع، لبقي الجوع في مكانه، لأن الطعام يصل إلى معدة غير المعدة الجائعة.
الخارج مرآة الداخل. والشخص الذي يستفزّك لأنه لا يراك ليس عدوّاً، هو دليل طريق. يقف بالضبط عند الباب الذي لم يُفتح، ويشير إليه بإصبعه دون أن يدري.
أقول لك هذا وأنا أعرفه من الجهتين. كنت من النوع الثاني سنوات طويلة، وكنت أظنّ أن عدم حاجتي لأن يراني أحد قوّة. تبيّن لي لاحقاً أنها لم تكن قوّة، كانت اتّقاءً. والفرق بينهما أن القوّة تختار، والاتّقاء يتجنّب.
وما زال الطور الأول يطلّ برأسه فيّ أحياناً، في جملة أعيدها مرّتين، أو في رغبة أن يُقال لي شيء لا أحتاجه فعلاً. الفرق الوحيد أنني صرت أعرفه حين يظهر، فأتوقّف عن مطالبة من يقف أمامي به.
الجوع يهدأ حين يُرى، وأوّل من يراه أنت.
فأيّ الطورين تعيشه الآن؟ وهل سألت نفسك يوماً، لا من حولك، متى بدأت تصدّق أن ظهورك يحتاج إذناً؟
اسأل نفسك
متى آخر مرة شعرت أن أحداً رآك أنت، لا رأى ما تقدّمه له؟
تمرين هذا الأسبوع
خذ ورقة وخمس دقائق. اكتب في أعلاها هذا السؤال: متى بدأت أعرف أن ظهوري ليس آمناً؟
ثم اكتب أوّل ثلاثة مشاهد تحضر، بلا ترتيب ولا تفسير، مشهداً واحداً في سطر.
بعدها انظر إلى الثلاثة معاً واسأل: في أيّها رفعتُ صوتي، وفي أيّها انسحبت؟ ضع علامة على كلّ مشهد.
ما ستراه أمامك هو خريطة الطورين عندك، مكتوبة بخطّ يدك.
صدى من تجربة سابقة
كل يوم كانت طبقة وراء طبقة بتنكشف لي وبتنزال، لأول مرة أوصل لجذر معاناتي وهو شعوري أني غير مرئية
ـ (ن) من البحرين
ما لم تره فيك عينٌ يوماً، تستطيع اليوم أن تراه أنت
انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم
ـ مهنَّد