الطريقة التي تدين بها الآخر، هي نفسها التي تدين بها نفسك في الخفاء.
قبل أن نبدأ، أريدك أن تتذكّر آخر مرة أخطأت فيها خطأً حقيقياً. موقف تتمنّى لو أنك تصرّفت فيه بشكل آخر. استحضره الآن.
ما الصوت الذي قاله لك في داخلك؟ ما الكلمات التي خاطبت بها نفسك؟
استمع جيداً لنبرة ذلك الصوت. هل كان صوت من يفهم، أم صوت من يحاكم؟ هل قال لك: لا بأس، أنت إنسان، وستتعلّم؟ أم قال: أنت دائماً هكذا، كان يجب أن تعرف، ما بك؟
هذا الصوت، النبرة التي تخاطب بها نفسك حين تنكسر، هي المرآة الأخيرة. وهي المرآة التي تجنّبناها طوال الطريق.
نظرنا في مرآة الاستفزاز، فوجدنا أن ما يزعجنا في الآخر يسكن فينا. ونظرنا في مرآة الظل، فوجدنا أن ما نكرهه فيه هو ما رفضناه في أنفسنا. ونظرنا في المرآة الأقرب، مرآة من نحب، فوجدنا جرحاً قديماً يطلب أن نلتفت إليه. كل هذه المرايا كانت تدرّبنا على النظر في الوجه الأصعب، وجهنا نحن.
لأن ثمة قانوناً هادئاً يحكم كل ما سبق: الطريقة التي تعامل بها نفسك في الداخل، هي الطريقة التي ترى بها العالم في الخارج. من يقسو على نفسه حين يخطئ، يرى الناس قساة. من يحاكم نفسه على كل زلّة، يشعر أن الجميع يحاكمونه. من لا يغفر لنفسه، يصعب عليه أن يصدّق أن أحداً قد يغفر له. المرآة التي في الخارج تعكس النبرة التي في الداخل.
فكّر في هذا: القسوة التي تنزعج منها في والدك، أو في زوجك، أو في مديرك، ألست تمارسها على نفسك كل يوم، بصمت، بلا شاهد؟ ذلك الناقد الداخلي الذي لا يرضى، الذي يذكّرك بأخطائك ويقلّل من إنجازاتك، من أين تعلّم لغته؟ غالباً من صوت سمعته صغيراً، فصدّقته، ثم كبرت وصار صوتك أنت.
نحمل جلّادنا في داخلنا، ونظنّ أن العالم هو من يجلدنا.
وهنا تكمن أصعب مصالحة، وأثمنها. أن تلتفت إلى ذلك الطفل الذي كنته، الذي أخطأ فعوقب، أو ضعف فعُيّر، أو بكى فأُسكت. أن تضع يدك على كتفه، وتقول له ما لم يُقل له يوماً: لا بأس. أنت لست سيّئاً لأنك أخطأت. أنت إنسان، والإنسان يتعثّر، ويقوم، ويتعلّم. أنا معك، لن أتركك وحيداً في وجه هذا الألم.
حين تتعلّم أن تخاطب نفسك بهذه النبرة، يحدث شيء عجيب في الخارج. يلين الناس في عينيك. لا لأنهم تغيّروا، بل لأنك توقفت عن رؤيتهم عبر قسوتك على نفسك. من يرحم نفسه، يفيض رحمة على من حوله بلا جهد. والصلح الذي تعقده مع الوجه في المرآة، ينعكس صلحاً مع كل وجه تقابله.
هذه هي الدائرة التي تُغلق. بدأنا بأن الآخر ليس عدوّك، هو مرآتك. وننتهي بالحقيقة الأعمق: أنت أيضاً لست عدوّ نفسك. الجرح الذي تحمله لم يأتِ ليعاقبك، جاء ليُرى، ويُفهم، ويُحتضن. وأنت، لا أحد سواك، من يملك أن يمدّ اليد أولاً.
فأيّ نبرة تختار أن تخاطب بها نفسك، حين تنظر في المرآة الليلة؟
اسأل نفسك
لو عاملت نفسك بالرحمة التي تتمنّاها من الآخرين، ما أول ما سيتغيّر فيك؟
تمرين هذا الأسبوع
استرجع الناقد الداخلي، ذلك الصوت الذي يخاطبك حين تخطئ. اكتب على ورقة، بضمير المخاطب، ثلاث جمل يقولها لك عادة (أنت لا تكفي، أنت دائماً تفشل، ما بك).
انظر إليها، ثم اسأل: بصوت من قيلت هذه الجمل أول مرة؟ لمن هذه النبرة في الأصل؟ الآن أعد كتابتها بالنبرة التي كنت تتمنّى أن تسمعها، بالرحمة لا بالكذب. مكان أنت دائماً تفشل، اكتب ما يقوله أب حنون لابنه المتعثّر.
احتفظ بالورقة الثانية قريبة. حين يعلو صوت الناقد، اقرأها. أنت تعلّم نفسك لغة جديدة، ولغةُ الرحمة تُتعلّم بالتكرار.
صدى من تجربة سابقة
التحرر من المشاعر والمواقف أو الأحداث العالقة، والتي كان لها أثر على فرض ضغوطات وعواقب على الصعيد النفسي والمهني وغيره. والغفران للنفس من كل موقف أثر بأي شكل عليها، ومسامحتها لضمان الاستمرار وفتح أبواب جديدة للتحرر.
ـ أحمد
الصلح الذي تعقده مع الوجه في المرآة، ينعكس صلحاً مع كل وجه تقابله.
انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم
ـ مهنَّد