لم تختر زوجاً، اخترت فرصة لإنهاء قصة قديمة.
بين كل الوجوه التي عبرت حياتك، لماذا هذا الوجه تحديداً؟ ما الذي جعلك تتوقف عنده، من بين مئات غيره؟ نقول: الحب. نقول: الكيمياء. لكن الكيمياء التي نسمّيها انجذاباً لها اسم آخر في العمق، اسم أقل رومانسية وأكثر صدقاً: التعرّف.
حين نلتقي بمن سنرتبط به، يحدث في داخلنا شيء لا نعيه. جزء قديم فينا يتعرّف على رائحة مألوفة. لا رائحة العطر، بل رائحة الجرح. نشعر أننا نعرف هذا الإنسان من قبل، ونظنّه توأم روح. الحقيقة أنه يحمل المفتاح نفسه الذي يفتح بابنا الأول، الباب الذي فُتح في طفولتنا وبقي موارباً.
ننجذب لمن يمنحنا الحب الذي اعتدناه، لا الحب الذي نستحق.
لو كان الحنان في طفولتك مشروطاً، لو كان عليك أن تكون مثالياً كي تُحَب، فستنجذب لا شعورياً لمن يجعلك تعمل بجهد كي تستحق حبه. لو غاب أحد والديك، جسدياً أو مشاعرياً، فستنجذب لمن فيه بذرة الغياب نفسها، ثم تقضي سنوات تحاول أن تجعله يبقى. لا لأنك تحب الألم، بل لأن جزءاً فيك يريد أن ينتصر هذه المرة. يريد أن يأخذ القصة القديمة، ويكتب لها نهاية مختلفة.
الزواج، في طبقته العميقة، مسرح. نعيد فيه المشهد الأول، بممثّل جديد، على أمل أن ينتهي نهاية أخرى.
لهذا يكون زوجك أو زوجتك المرآة الأصدق التي ستقف أمامها في حياتك. ليس لأنه الأقرب فقط، بل لأنه يلمس، بلا قصد، الجرح الذي دفنته أعمق من أي أحد. الغريب يزعجك على السطح. الزوج ينزل مباشرة إلى القاع، إلى الطفل الذي كان ينتظر أن يُرى ولم يُرَ، أن يُسمع ولم يُسمع.
وحين يلمس هذا الجرح، لا نرى الطفل الذي تألم. نرى الزوج الذي أخطأ. فنغضب منه، ونحمّله ما لم يفعله. نقول: أنت تهملني، أنت تتحكّم بي، أنت لا تفهمني. وكثير من هذا الغضب ليس موجّهاً إليه، هو موجّه لعنوان قديم، لأمّ أو أبٍ لم نجرؤ يوماً أن نغضب منه.
الزوج يصبح، دون أن يدري، بريد الجرح القديم. يستقبل رسائل لم تُكتب له.
وهنا المفترق. أمامك طريقان. أن تظلّ تطلب من هذا الإنسان أن يشفي جرحاً لم يصنعه، فتغرق العلاقة في دورة من العتاب لا تنتهي. أو أن تلتقط اللحظة، حين يشتعل شيء في صدرك، وتسأل: هذا الغضب، أهو من الموقف الذي أمامي الآن، أم من موقف قديم يشبهه؟ من هذا الوجه، حين يؤلمني، يذكّرني؟
اللحظة التي تفصل فيها بين زوجك الحاضر وجرحك الغائب، تبدأ العلاقة تتنفّس. لا لأن الآخر تغيّر، بل لأنك توقفت عن مطالبته بأن يكون من لم يكن. صرت ترى إنساناً أمامك، لا شبحاً من ماضيك يرتدي وجهه.
هذا لا يعني أن كل ما يفعله الآخر مقبول. يعني فقط أنك تفصل ما يخصّه عمّا يخصّك، فتعرف أين تشتغل على نفسك، وأين تتحدّث معه بوضوح، بلا الحمولة القديمة التي تثقل كل كلمة.
المرآة الزوجية قاسية لأنها قريبة. لكنها أيضاً أرحم فرصة للشفاء، لأنها تضع جرحك أمامك كل يوم، لا لتعذّبك، بل لتقول لك: ما زال هنا، وما زال ينتظر أن تلتفت إليه.
فحين يؤلمك أقرب الناس إليك، أي طفلٍ قديمٍ فيك يبكي خلف غضب اللحظة؟
اسأل نفسك
الصفة التي تؤلمك أكثر في زوجك، من في ماضيك حملها قبله؟
تمرين هذا الأسبوع
استرجع آخر موقف أشعل غضبك من زوجك أو زوجتك. اكتبه في سطر واحد، بلا تفسير.
أغمض عينيك، واستعد الإحساس الذي انتابك في تلك اللحظة، لا الفكرة، الإحساس في جسدك. أين حسست به؟ ثم اسأل: متى شعرت بهذا الإحساس نفسه، لأول مرة في حياتي؟ دع الذاكرة تأخذك ولا توجّهها.
اكتب ما ظهر. ثم انظر إلى المشهدين جنباً إلى جنب، القديم والجديد. ما الخيط الذي يربطهما؟ هذا الخيط هو ما تشتغل عليه، لا زوجك.
صدى من تجربة سابقة
خلال شهر من الزمان حسّيت بتغيير شاسع فيني، أشياء كنت أحسها وأستشعرها وأريد أن أتخلص منها لأنها أزعجتني في حياتي وتعاملاتي مع اللي حولي من زمان طويل. صرت أكثر هدوءاً. كنت أحاول إرضاء الآخرين بكل ما عندي من طاقة، أما الآن فأنا أقل في هذا الجانب. صارت آراء الآخرين ما تؤثر فيني بالعمق مثل السابق.
ـ هدى
ما يؤلمك في أقرب الناس، باب إلى طفلٍ قديمٍ ينتظر أن تلتفت إليه.
انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم
ـ مهنَّد