بريد الداخل
← كل الأعداد
العدد #11 14 يوليو 2026

المرآة التي خفت أن تنظر فيها

ليس ما تراه في الآخر ما يخيفك، بل ما يذكّرك به عن نفسك.

هناك شخص في حياتك، حين يُذكر اسمه، يتغيّر شيء في صدرك. ربما يضيق، ربما يحترق. تعرف تماماً من أعني الآن، لأن وجهه ظهر لك قبل أن أكمل الجملة.

دعني أسألك سؤالاً غريباً: ما الصفة التي تكرهها فيه أكثر من غيرها؟ أنانيته؟ برودته؟ حاجته الدائمة للسيطرة؟ ضعفه؟ احتفظ بالكلمة التي جاءتك، سنعود إليها.

نظن أن ما يزعجنا في الآخرين شأنهم هم. أنهم سبب الانزعاج، ونحن مجرد متلقّين أبرياء. لكن جرّب أن تلاحظ شيئاً: الصفة نفسها التي تشعل غيرك لا تحرّك فيك ساكناً، والصفة التي تشعلك أنت تمرّ على غيرك بلا أثر. لو كان الأمر في الآخر وحده، لتأثّرنا جميعاً بالقدر نفسه. لكننا لا نفعل. كل واحد منّا يشتعل من زرّ مختلف.

الزرّ فيك، لا في يد من يضغطه.

هذه هي الطبقة الأولى للمرآة. ما تكرهه بشدّة في الآخر غالباً هو ما رفضته في نفسك. الصفة التي حكمت عليها يوماً بأنها معيبة، فدفنتها عميقاً وأقسمت أن تكون نقيضها. ثم يأتي إنسان يعيشها أمامك بلا خجل، فتغضب. غضبك ليس منه، هو من الجزء المسجون فيك الذي يراه حرّاً. نكره في الناس مرآة ما منعنا أنفسنا منه.

وهناك طبقة أعمق. أحياناً لا يكون ما يزعجك ما رفضته في نفسك، بل ما تخاف أن تصيره. ترى في تسلّط أحدهم بذرة تسلّط تشعر بها تنمو فيك أحياناً، فترفضه بشدّة كي تُثبت لنفسك أنك لست هو. رفضك الحادّ ليس نقاءً، هو خوف. من يهاجم صفة بعنف مبالغ فيه، كثيراً ما يحارب احتمالها في داخله.

انظر الآن إلى الكلمة التي احتفظت بها في البداية. اسأل نفسك بصدق: أين هذه الصفة فيّ؟ أين مارستها، ولو مرة، على من هو أضعف منّي؟ أو أين أخاف أن أنزلق إليها؟

وحين تصل إلى هنا، تنتظرك المرآة الأصعب. المرآة التي خفت أن تنظر فيها من البداية.

الشخص الذي آذاك. الذي حين تتذكّره ترى وحشاً، أو خصماً، أو نرجسياً بلا قلب. هذه المرآة لا تطلب منك أن ترى نفسك فيه، تطلب شيئاً أثقل: أن تراه إنساناً. أن تراه طفلاً صغيراً لم يُعطَ ما لم يُعطَ، يحمل جرحاً لا يعرف كيف يعبّر عنه فيؤذي من حوله. لا لتبرّئه، بل لتفهم.

ولماذا هذه المرآة مرعبة تحديداً؟ لأنك بنيت حول ألمه هويّة كاملة. أنت من ظُلم. أنت الضحية. وهذه الهوية، مهما أوجعتك، صارت بيتاً تعرفه. تعرف أثاثه وزواياه. أن ترى جارحك إنساناً مجروحاً يعني أن تفقد هذا البيت. يعني أن تسأل السؤال المرعب: لو تخلّيت عن كوني الضحية، فمن أكون؟

هنا يكمن الخوف الحقيقي. لا نخاف رؤية عيوبنا في المرآة، نخاف أن نفقد القصة التي بنيناها عن أنفسنا. نتمسّك بالجرح لأنه صار يعرّفنا، ونخاف أن نُشفى لأن الشفاء يعني أن نصير أشخاصاً لا نعرفهم بعد.

المرآة لا تطلب منك أن تسامح اليوم. ولا أن تتصل بأحد، ولا أن تعود لعلاقة. تطلب فقط أن تنظر. أن تجلس أمام الوجه الذي تجنّبته، وتسمح لنفسك أن ترى ما وراءه.

فما الوجه الذي تخاف أن تنظر إليه طويلاً، خشية أن تكتشف أنه يشبهك أكثر مما تحتمل؟

اسأل نفسك

"

لو لم تكن أنت الضحية في هذه القصة، فمن تكون؟

تمرين هذا الأسبوع

ثلاث درجات نحو المرآة

استعد الشخص الذي فكّرت فيه، والصفة التي تكرهها فيه. اكتبها في أعلى ورقة.

انزل ثلاث درجات، كل درجة سؤال. الأولى: أين تعيش هذه الصفة نفسها فيّ، ولو في صورة صغيرة؟ الثانية: هل أخاف أن أصير مثله في هذه الصفة تحديداً؟ الثالثة: لو نظرت إليه لا كخصم، بل كطفل حمل جرحاً لم يعرف كيف يحمله، ماذا يتغيّر في صدري الآن؟

اكتب ما ينزل عليك بلا رقابة. قد تبكي، وهذا جيّد. الدموع هنا علامة أن خيطاً قديماً بدأ يذوب.

صدى من تجربة سابقة

"

انتبهت لتكرار نمط بعائلتي وقد يكون بسبب جد من أجدادي، وبنفس الوقت اكتشفت العهد اللي أخذته لأنقذ شخص من أفراد عائلتي. في صعوبة أني أستوعب كيف هذا الشيء يحصل بسبب الحاجة للانتماء والقبول. التأمل كان جداً قوي، شعرت بخفة وراحة وكأنه ثقل نزل عن كتفي.

ـ دينا

ما تخاف أن تراه في الآخر، باب إلى ما ينتظر الفهم فيك.

انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم

توقيع مهنّد مروان مزيّك

ـ مهنَّد