بريد الداخل
← كل الأعداد
العدد #08 23 يونيو 2026

لماذا يؤلمك أن تأخذ؟

تعطي بسخاء، وتعجز أن تستقبل. وبينهما يسكن جرح واحد.

انتبه لنفسك في موقف صغير: أحدهم يمدحك، فتسارع إلى التقليل من نفسك. أو يهديك هدية، فتشعر بدَين خفيف يجب أن تردّه بسرعة. أو يعرض عليك مساعدة، فترفض تلقائياً، "لا داعي، أنا بخير".

نفس الشيء يحدث مع المال. تنفق على من تحب بسهولة، وتقف طويلاً أمام شيء صغير تريده لنفسك. تعطي بلا تردد، وتستقبل بصعوبة، كأن الأخذ يكلّفك شيئاً لا يكلّفه العطاء.

نسمّي هذا تواضعاً أحياناً، أو كرماً، أو زهداً. لكن تحته غالباً شيء آخر: إحساس عميق بأنك لا تستحق أن تمتلئ.

من أين يأتي هذا؟ الطفل الذي تعلّم أن الحب مشروط بما يقدّمه، لا بما هو عليه، يكبر وهو يعرف العطاء طريقاً وحيداً للأمان. أما أن يأخذ، أن يستقبل دون أن يردّ، فيوقظ خوفاً قديماً: ماذا لو أخذت أكثر مما أستحق؟ ماذا لو اكتشفوا أنني لا أساوي ما أُعطيت؟

فيصير الامتلاء، أي امتلاء، مالاً كان أو حباً أو راحة، مصدر قلق لا مصدر طمأنينة.

وتُفرّغ يدك بسرعة، لا لأنك لا تريد، بل لأن الفراغ مكان تعرفه، والامتلاء أرض مجهولة تخيفك. الكرم مع الآخرين والبخل مع النفس وجهان لجرح واحد: "لا أُبالغ في نفسي".

وقد لمسنا هذا الشهر أكثر من وجه لعلاقتنا بالمال. واليوم نرى وجهاً منها قلّ من يتوقّف عنده: أن العقدة أحياناً ليست في قلّة المال، بل في صعوبة استقباله. المال هنا مرآة، كما هو دائماً، تكشف إحساسك بأنك تستحق أن تمتلئ.

فما الذي تخاف أن يحدث، لو سمحت لنفسك أن تأخذ بقدر ما تعطي؟

اسأل نفسك

"

متى كانت آخر مرة استقبلت فيها شيئاً، مالاً أو مديحاً أو حباً، دون أن أشعر بحاجة إلى أن أردّه أو أقلّل منه؟

تمرين هذا الأسبوع

استقبل دون أن تردّ

اليوم، جرّب شيئاً واحداً صغيراً: استقبل دون أن تردّ.

إن مدحك أحد، قل "شكراً" فقط، وامتنع عن إضافة أي جملة تقلّل من نفسك. إن عُرضت عليك مساعدة أو هدية، اقبلها بكلمة شكر واحدة، وراقب ما يتحرك في داخلك.

في المساء، اكتب: ما الإحساس الذي ظهر لحظة الاستقبال؟ هل كان راحة، أم ضيقاً، أم رغبة في الهرب؟

ذلك الإحساس بالضبط هو حارس الباب بينك وبين امتلائك. وأول مرة تجلس معه دون أن تطيعه، يبدأ يفقد سلطته.

صدى من تجربة سابقة

"

اكتشفت أنني أعطي حتى لا أشعر بثقل الأخذ. حين سمحت لنفسي أن أستقبل لأول مرة، بكيت دون أن أعرف لماذا. كان الطفل بداخلي ينتظر هذا الإذن منذ زمن.

ـ سارة

الكرم مع الآخرين والبخل مع النفس وجهان لجرح واحد

انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم

توقيع مهنّد مروان مزيّك

ـ مهنَّد