ليس في حسابك رقم واحد، بل رقمان. وأحدهما لا تراه العين.
هل لاحظت أن شخصين قد يملكان المبلغ نفسه، وأحدهما هادئ والآخر مذعور؟
واحد عنده ألف ويقول في داخله "سيُحَل". وآخر عنده عشرة آلاف وجهازه العصبي يصرخ "أزمة". الفرق ليس في الرقم. الفرق في شيء أعمق، لا تراه العين، لكنك تعيشه كل يوم.
لأن لكل واحد منا حسابَين، لا حساباً واحداً. الأول هو الحساب الفعلي، الرقم في البنك. والثاني هو الحساب الذي يقرّره جهازك العصبي، إحساسك الداخلي بكم تملك فعلاً. وهذان الحسابان قلّما يتفقان.
من أين جاء الحساب الثاني؟ جاء من البيت. من وجه والدتك وهي تعدّ ما في محفظتها كل يوم دون أن تقول شيئاً. من جملة "ما نقدر عليه" التي قيلت بقلق لا بحقيقة. الطفل الصغير لم يفهم الأرقام، لكنه التقط الإحساس المرافق لها. وتعلّم: المال يساوي ذلك التوتر، يساوي شيئاً ليس بخير.
ثم كبر الطفل. وصار يفتح تطبيق البنك فينقبض صدره قبل أن يرى الرقم. أو يقترب من الاستقرار فيخرّبه بقرار "منطقي" يندم عليه لاحقاً. أو ينفق على من يحب بسهولة، ثم يتردد طويلاً أمام شيء صغير يريده لنفسه.
هذه ليست عادات مالية سيئة. هذه ذاكرة. جسدك يتذكّر ما نسيه عقلك.
وكل مرة يقترب فيها المال، يستدعي الجسد الإحساس القديم نفسه، ويتصرّف كما تعلّم وهو صغير.
المال شاشة. والصورة التي تظهر عليها لا تأتي من الشاشة، بل من مصدر الضوء خلفها. ومصدر الضوء عندك، طفل صغير ما زال ينتظر أن يشعر بأن الحياة آمنة.
فأي إحساس قديم يستيقظ فيك، كل مرة يقترب المال أو يبتعد؟
اسأل نفسك
حين كنت صغيراً، أيّ وجه كان يرتسم على وجوه أهلي حين يُذكر المال؟ وأين أرى ذلك الوجه في تصرّفاتي اليوم؟
تمرين هذا الأسبوع
اجلس بهدوء، وأغمض عينيك دقيقة. عُد بذاكرتك إلى أول مشهد تربطه بالمال في طفولتك. لا تختر، دع المشهد يأتي وحده.
حين يحضر، لا تحلّله. اسأل نفسك فقط: ما الإحساس الذي كان في الغرفة؟ خوف، توتر، صمت، أمان؟
ثم افتح عينيك واكتب جملة واحدة: "تعلّمت صغيراً أن المال يعني...".
ما تكتبه قد يكون أول مرة ترى فيها الجملة التي تحكمك منذ سنوات. ورؤيتها وحدها بداية تحرّرك منها.
صدى من تجربة سابقة
ظننت أن علاقتي المتعبة بالمال شأن أرقام. اكتشفت أنها شأن طفلة كانت تراقب وجه أمها. حين رأيت ذلك، لم يعد الرقم وحده يحكمني.
ـ نورة
المال شاشة، والصورة تأتي من مصدر الضوء خلفها لا من الشاشة
انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم
ـ مهنَّد