حصاة صغيرة تُحدث موجات كبيرة ترمز لردّ فعل أكبر من الموقف، أكاديمية نحّات الحياة

كيف تعرف أن ردّ فعلك أكبر من الموقف؟

July 30, 20263 min read

قال لك أحدهم جملةً عابرة. لم يقصد شيئاً، وربما نسيها بعد دقائق. أمّا أنت، فبقيت تفكّر فيها طوال اليوم.

ثم تسأل نفسك لاحقاً، بشيءٍ من الحرج: لماذا انفعلت هكذا؟ الموقف لا يستحقّ كل هذا.

وأنت محقّ، الموقف لا يستحقّ. لكن ردّ فعلك لم يكن عن الموقف أصلاً.

ماذا يعني أن يكون ردّ فعلك أكبر من الموقف؟

حين تتجاوز شدّة انفعالك حجم ما حدث فعلاً، فأنت غالباً لا تتفاعل مع اللحظة الحاضرة وحدها، بل مع جرحٍ قديم لمسته اللحظة. الموقف الصغير يعمل كمفتاح، والجرح القديم هو الباب الذي انفتح.

هذه ليست علامة ضعفٍ في ضبط النفس، ولا مبالغة في الحساسية. هي إشارة، ومن أدقّ الإشارات التي يرسلها لك داخلك.

لاحظ أن آلاف الناس مرّوا بالموقف نفسه ولم ينزعجوا كما انزعجت. لماذا أنت تحديداً؟ ليس لأنك أضعف، بل لأن تلك الجملة لمست عندك مكاناً لم تلمسه عندهم.

ما العلامات التي تكشف لك ذلك؟

هناك ثلاث علامات واضحة يمكنك ملاحظتها بنفسك.

الأولى: شدّة الانفعال لا تتناسب مع حجم الحدث. جملة عابرة تُشعرك بالإهانة، أو تأخّر أحدهم في الردّ يُشعرك بالرفض الكامل.

الثانية: الشعور يدوم أطول ممّا ينبغي. الموقف انتهى، وأنت ما زلت تعيد الحوار في رأسك بعد ساعات أو أيام.

الثالثة، وهي الأدقّ: الإحساس مألوف. لو أنصتّ جيداً، ستجد أنك عشت هذا الشعور من قبل، مع أشخاصٍ آخرين، في سياقاتٍ مختلفة تماماً. المألوفية هي بصمة الجرح القديم.

ماذا يقول العلم عن هذه الاستجابة؟

يوضّح عمل الطبيب غابور ماتيه في مجال الصدمة أن الاستجابات المشاعرية المفرطة ليست خللاً في الشخصية، بل آثار لتجارب مبكرة تعلّم فيها الجهاز العصبي أن يستنفر بسرعة لحماية صاحبه. الجسد يتذكّر ما نسيه العقل، فيستجيب للإشارة الأولى قبل أن يتحقّق من حجم الخطر الحاضر.

ولهذا يبدو الانفعال أحياناً غير منطقي: لأن منطقه ليس في الحاضر، بل في الماضي الذي أنتجه.

مفتاح قديم يرمز للموقف الصغير الذي يفتح باب جرح قديم، أكاديمية نحّات الحياة

كيف تتعامل مع هذا حين يحدث؟

لا أطلب منك أن تكبت الانفعال ولا أن تلوم نفسك عليه. الطريق أبسط وأرحم.

حين تلاحظ الشدّة، توقّف لحظة واسأل نفسك سؤالين. الأول: ما الشعور الذي استيقظ فيّ الآن بالضبط؟ ليس ما فعله الآخر، بل ما شعرت به أنا. تجاهل، إهمال، رفض، احتقار، عدم أمان.

والثاني: متى شعرت بهذا الشعور أوّل مرة في حياتي؟ لا تجهد نفسك في البحث، دع الذاكرة تجيب على مهلها. غالباً سيظهر مشهدٌ قديم، أصغر ممّا تتوقّع.

وماذا تفعل في اللحظة نفسها؟

الأسئلة السابقة تحتاج هدوءاً، وأنت في لحظة الانفعال لا تملكه. فماذا تفعل حين تشتعل وأنت في وسط الموقف؟

أوّل ما تفعله: لا تقرّر شيئاً. لا تردّ برسالة, ولا تحسم موقفاً، ولا تقطع علاقة. القرارات المتّخذة من داخل الجرح تخدم الجرح لا تخدمك.

ثم أعطِ جسدك ما يحتاجه ليهدأ. تنفّس ببطء، أطل الزفير أكثر من الشهيق، وامنح نفسك دقائق قبل أي ردّ. الجهاز العصبي حين يستنفر لا يفرّق بين خطرٍ حقيقي وذكرى قديمة، والتنفس البطيء يعطيه إشارة أنك بأمان الآن.

وبعد أن يهدأ الجسد، ارجع إلى السؤالين. ستكتشف أن ما بدا في لحظة الاشتعال أمراً جللاً، صار بحجمه الطبيعي، وأن ما تبقّى من الشدّة يخصّ قصةً أقدم.

وأنا لا أقول إن هذا سهل. أقول إنه يصير أسهل مع كل مرة تفعله. الوعي عضلة، وكل تمرين يقوّيها.

حين تصل إلى المشهد الأوّل، يحدث شيء لطيف: تنفصل اللحظة الحاضرة عن الجرح القديم. تبدأ ترى أن من أمامك اليوم ليس من جرحك بالأمس، وأن ردّ فعلك كان موجّهاً لعنوانٍ خاطئ.

وهذا لا يعني أن تتحمّل أذى أحد أو تبرّر سلوكاً مؤذياً. يعني أن تعرف أيّ جزءٍ منك يتألّم، لتعتني به بدل أن تُسقطه على من أمامك.

ما آخر موقفٍ كان ردّ فعلك فيه أكبر منه، ولم تفهم لماذا؟

وهذه الاستجابات كثيراً ما تقود تكرار العلاقات نفسه، وقد فصّلت جذره في مقال «لماذا أكرر نفس العلاقات المؤلمة؟». وللعمل على هذا تحديداً، ماستر كلاس «الانفجار الداخلي»، ولمن يريد الوصول إلى الجذر الموروث، ورشة فك شيفرة الصدمات الموروثة.

Custom HTML/CSS/JavaScript
مهنَّد مزيِّك

مهنَّد مزيِّك

مهنّد مزيّك، مؤسس أكاديمية نحّات الحياة، متخصص في علاج الصدمات الموروثة وصدمات الطفولة والعلاقات، ومرخّص بتدريس الكوتشينغ النفسي ما وراء المعرفي للمستويات الثلاثة. يكتب من واقع تجربة حقيقية، ويشارك أدوات عملية تصل إلى جذر الألم لا إلى سطحه.

Instagram logo icon
Youtube logo icon
LinkedIn logo icon
Back to Blog