ما لا يستطيع الطبيب رؤيته، قد يكون كل ما يحتاج جسدك أن تراه أنت.
كنت طفلاً صغيراً حين بدأ. أضع يدي على صدري وأبكي من الوجع. لا أعرف ماذا أقول، أقول فقط: يوجعني هنا. تأخذني والدتي للطبيب. يستمع، يجسّ، ينظر في وجهي، ثم في وجهها، ويقول: لا شيء عضويّ. تشنّجات في عضلات الصدر. لا داعي للقلق.
نعود إلى البيت. الوجع يخفّ. أنسى. ثم يعود.
استمرّ هذا سنوات. تلميذ، ثم مراهق، ثم شاب. كلما اشتدّت الحياة، عاد الوجع. أحياناً يكون شدّاً، أحياناً يحبسني عن النفس. أتعلّم أن أتعايش معه. هذا قدري الجسدي، أقول لنفسي. هكذا أُصنَع.
في عام ٢٠٠٦ أخذت آخر حبّة دواء للصداع. كنت قد بدأت أعمل على داخلي، أقرأ، أتأمّل، أبحث. الصداع توقّف. لكنّ صدري كان يبقى صامتاً ثم يصرخ، صامتاً ثم يصرخ.
دخلت مدارس روحية وعلاجية كثيرة. كل واحدة تقدّم قاموسها: «اسمح للوجع بالمرور»، «هي حبال طاقية»، «أرسل النور إلى المكان». كنت أفعل. الوجع يخفّ، ثم يعود بصبر يفوق صبري.
ثم جاء عام ٢٠١٧.
في تلك السنة تعرّفت على التشريح الميتافيزيقي. وللمرّة الأولى لم يقل لي أحد ماذا أفعل بالوجع. قيل لي ما الذي يحاول أن يقوله. الوجع في الصدر، في صدري أنا تحديداً، له لغة. وحين قُرئت تلك اللغة في جلسة، انكشف الجذر: شعور بالرفض من الأنثى. رفض قديم. قبل الكلام.
ذهبت أبحث في ذاكرتي. وجدت والدتي. وجدت طفلاً يحاول أن يتكلّم فيُمنَع. يساعد في البيت ليحصل على ابتسامة لا تأتي إلا متعبة. يصمت كي لا يزعج. يبتلع، ويبتلع، ويبتلع. حتى صرخ صدره بدلاً عن لسانه.
لكنّ القصة لم تتوقّف هنا. بعد سنوات من الدراسة في الصدمات الموروثة، وصلت إلى طبقة أعمق. والدتي لم ترفضني. والدتي كانت تحمل رفضاً قديماً من أهلها. لم تتلقَّ الحبّ كما احتاجته، فلم تعرف كيف تعطيه بشكل يصل.
الوجع الذي حملته أنا، حملته هي قبلي. وحملته جدّتي قبلها. ثلاثة أجيال، صدر واحد، رسالة واحدة لم تُسمَع.
اليوم، لا يزال يأتيني أحياناً. لكنّه خفيف. ضيقة في الصدر، لا وجع. يأتي عادة حين أكون في خلاف مع زوجتي وأشعر أنّ رأيي غير مرحَّب به، أو أنّ التعبير سيُزعجها. الطفل الصغير في داخلي يقفز ويقول: انتبه، الوضع يشبه ما عشتَه. أبتسم له. أشكره. أعرف الآن ماذا أفعل.
لم أصل. لا أحد يصل. لكنّ المسافة بين الوجع والفهم، تلك التي كانت تستغرق سنوات، صارت لحظات.
طيّب، أنت؟
ما الذي قال لك الطبيب عنه «لا شيء»، وأنت تعرف في عمقك أنّه كلّ شيء؟
اسأل نفسك
إذا صدّقت أنّ الطبيب لا يكذب، لماذا تكذّب جسدك حين يحكي قصته بطريقته؟
تمرين هذا الأسبوع
اختر إحساساً جسدياً يلحّ عليك منذ سنوات. ليس الأشدّ بالضرورة، بل الأكثر تكراراً، الأكثر صبراً، الذي صار جزءاً من خريطتك دون أن تفهمه.
اجلس في مكان هادئ. ضع يدك على المنطقة. أغمض عينيك. خذ ثلاث أنفاس.
ثم انتقل في ثلاث طبقات. خمس دقائق لكل طبقة:
السؤال الثالث الأهم. لا تتوقّع جواباً منطقياً. أحياناً يأتي اسم. أحياناً تأتي صورة. أحياناً يأتي شعور بثقل دون اسم. كل ذلك صحيح.
اكتب ما يأتي. لا تحلّل. الجسد لا يتكلّم بلغة العقل، لكنّه يفهم.
هذا ليس تشخيصاً. هذه بداية رؤية الخريطة الكاملة.
من الأكاديمية
«لم أرَ أفضل من الأستاذ مهنّد. أفضل معالج. الجلسات التي يقدّمها رائعة، ولم أرَ أحداً يقدّم مثلها.»
لا أنشرها للتباهي. أنشرها لأنّ ما عشته أنا في تلك الجلسة عام ٢٠١٧، حين سُئل عن جذر الوجع لا عن إخفائه، هو ما أحاول أن أعطيه لكلّ من يجلس أمامي. أن يُسأل لا أن يُقال له ماذا يفعل. أن تُقرأ لغة جسده، لا أن يُكتب له تشخيص.
بين الوجع والفهم، مسافة تقصر مع كل إنصات
انتبهوا لقلوبكم... أحبكم كلكم
ـ مهنَّد